في زمن أضحت فيه السرعة على حساب الحقيقة، وصارت فيه خوارزميات المنصات الرقمية تقتات على التهويل والعناوين المضللة، يأتي البلاغ الأخير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بشأن المعالجة الإعلامية لأحداث سبتة المحتلة ليقرع ناقوس الخطر، ويعيد تذكير الجسم الصحفي بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية التي تحكم مهنة البحث عن الحقيقة.
إن قراءة متأنية في مضامين البلاغ تكشف عن فصام عميق يعيشه المشهد الإعلامي اليوم؛ بين رسالة نبيلة تتوخى الدقة والإنصاف، ونزوع استهلاكي نحو الشائعات والصفحات غير الموثوقة التي تحول القضايا الوطنية والإنسانية الدقيقة إلى مجرد “استعراض درامي” غايته حصد التفاعلات، دون أدنى اعتبار للتأثيرات النفسية والسياسية التي قد تترتب على تضليل الرأي العام.
ولعل الأهم في موقف النقابة هو شجاعتها المنهجية في وضع الأصبع على الداء من جبهتيه؛ فهي لم تكتفِ بتوجيه اللوم للمؤسسات الصحفية والمنابر المعادية التي تستغل هذه الأحداث لتشوه صورة المملكة، بل طالبت بوضوح السلطات والجهات الرسمية بتحمل مسؤوليتها التواصلية. إن تأخر المعلومة الرسمية أو غيابها هو البيئة الخصبة التي ترعرع فيها الإشاعة؛ فالصمت المؤسساتي لا يخمد الفضول المعرفي لدى الجمهور، بل يدفعه دفعاً نحو أتون التأويلات والمضامين المضللة.
إن مواجهة التضليل الإعلامي في القضايا الوطنية الكبرى لا تكون بالمنع أو التجاهل، بل ببناء جدار صد مهني يتأسس على التثبت، والرجوع إلى المصادر الميدانية الموثوقة، واعتماد سياسة تواصلية رسمية مرنة وناجعة. فالصحافة الجادة، في نهاية المطاف، ليست مجرد نقل للحدث، بل هي حصن للوعي الجمعي وواجب إنساني ووطني يستوجب استحضار الضمير المهني فوق كل اعتبار.