** مصطفى الأبيض
أين المحطة، والقطار يغص بالغرباء وتجار الأوهام، والمساء ينز من سقف السماء قطرة قطرة كأنه دمعة ثكلى، أقبض على خيال عينيك في الفراغ فتتفتح حكايات الحزن الحارقة بين أصابعي المتعبة، حبيبي يا ضوءا يغرق في زوايا الوجدان وينير مظالم الروح، ويا غراما تائها في أزقة الزمان الممتد وفي خلجات العابرين، أكتب إليك من رصيف الارتحال حيث الموانئ المظلمة لا تنام، والدروب تشتبك فوق وجوهنا كالعرائش وشباك الصيادين المهجورة، وأنا أركض كأصداء الضباب، أفر منك إليك، أجر خلفي سلاسل الشوق وحقائب الليل الشارد وأسئلة الظلام الحالك، كيف يفر طير من هواه وهو يحمل السماء بكل اتساعها بين جناحه المنكسر، وكيف أهرب منك وأنت أبعاد الجهات ومداها البعيد.
أحبك في زمان يضيق على العشاق وينبذ الأحلام العذبة، وأعشق فيك هذا الحزن المعتق ككؤوس من الفخار القديمة، حزن الرحلات البعيدة التي لا تعود ولا تطرق للرجوع بابا، لم أودعك حيث خطفتني الرياح العاتية وعواصف القدر، لأن العشق الأكبر يأنف من تلويحة المنديل المنسوج من الدموع اليتيمة، أهرب من ظلي على الأرصفة الجائعة، حاملا نوارس شوقي الجريحة ورسائلي المذابة، ياقمري الذي يضيء عتمة المأوى وعزلة الروح، يا حبيبة نبتت كشجرة الصبار في لحم الضلوع وفي مجرى الوريد، ليس الرحيل إلا إبحارا مجنونا في اتساع عينيك القصيتين، وغرامنا الحقيقي يبدأ حين تنتهي كل الطرق وانسداد المسالك، حين يتردد صوتك الشجي في مقاهي الغربة البعيدة كأنه معزوفة بابلية حزينة لا تهدأ ولا تنام.
أتذكرك حين يضرب المطر القوي نوافذ الغرباء في ليالي الشتاء الطويلة، حبيبي يا نغمة دافئة تدب في عروق العتمة وتوقظ الشجن الخفي، أسافر في ظلمة الليل السوداء على إيقاع عجلات القطار الصدئة، أفر من وجعي القتيل، وأحمل معي عشقي المخلوط بغبار الطريق وأريج المحطات المهجورة، فالرحيل غرق وذوبان في كينونتك العصية على النسيان، ينهمر الشوق في الصدر كالمطر الغزير فوق نخيلمراكش الحمراء، أرهف السمع لصوت الريح العاتية وحسرة المسافرين في المدى الغائم، ويا روعة العشق حين يستحيل سفرا أبديا بلا أفق، وحزنا يورق بالضوء والمحبة والورود.




