حقائق وآراء
عندما تُغلق أبواب سبتة في وجه الصحافة المغربية… تتسع دائرة الأسئلة ، في تطور يثير الكثير من علامات الاستفهام، وجد طاقم القناة المغربية الثانية «دوزيم» نفسه ممنوعاً من الولوج إلى مدينة سبتة المحتلة، في واقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية حرية الصحافة وحق الإعلاميين في الوصول إلى المعلومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف ذي حساسية سياسية ووطنية بالغة بالنسبة للمغرب.
وقد عبّرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن قلقها إزاء هذه الواقعة، معتبرة أن منع الصحافيين من أداء مهامهم المهنية يطرح أسئلة جدية حول احترام حرية الصحافة وحق وسائل الإعلام في تغطية الأحداث ونقلها إلى الرأي العام.
كما شددت النقابة على ضرورة احترام المبادئ والقواعد التي تؤطر العمل الصحافي والحق في الوصول إلى المعلومة.
غير أن خطورة الواقعة، في نظر العديد من المتابعين، لا تكمن فقط في منع طاقم إعلامي مغربي من دخول مدينة سبتة، وإنما في السياق الذي جاءت فيه هذه الخطوة، وفي طبيعة الملف الذي كانت القناة بصدد تغطيته، وما يمكن أن تحمله من رسائل سياسية وإعلامية تتجاوز حدود إجراء إداري عابر.
هل أصبح الصحافي المغربي غير مرغوب فيه عندما يتعلق الأمر بسبتة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ، لماذا يُمنع طاقم قناة مغربية من ممارسة عمله الصحافي في سبتة؟
فالصحافة، في جوهرها، ليست خصماً سياسياً ولا طرفاً في النزاعات الدبلوماسية. ومهمة الصحافي تتمثل في نقل الوقائع، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتوثيق الأحداث، وإطلاع الرأي العام عليها.
ومن هذا المنطلق، فإن منع الصحافيين من الوصول إلى مكان الحدث، إذا لم يستند إلى أسباب قانونية واضحة ومعلنة، يمكن أن يثير مخاوف جدية بشأن احترام حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.
والأخطر من ذلك أن تكون القيود على الصحافة مرتبطة بموضوع يحمل حساسية سياسية وتاريخية، مثل قضية سبتة ومليلية والجزر الخالدات، وهي قضية تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية المغربية.
سبتة ومليلية والجزر الخالدات… قضية سيادة لا تسقط بالتقادم
إن تناول واقعة منع طاقم «دوزيم» من دخول سبتة لا يمكن أن ينفصل عن السياق التاريخي والسياسي الأوسع للقضية.
فمن منظور الموقف المغربي، تظل سبتة ومليلية والجزر الخالدات أراضي مغربية، وتبقى قضية استكمال الوحدة الترابية واسترجاع هذه الثغور والجزر جزءاً من الذاكرة الوطنية والمطلب السيادي المغربي.
وإذا كان الخلاف السياسي والدبلوماسي حول الوضع القانوني لهذه المناطق قائماً، فإن ذلك لا يلغي حق الإعلام في تناول القضية، ولا يمنح أي طرف حصانة من التغطية الصحافية والنقاش العام.
بل إن مثل هذه القضايا تحتاج، أكثر من غيرها، إلى صحافة مهنية وهادئة وقادرة على نقل الوقائع من الميدان، بدل أن تتحول المناطق الحساسة إلى فضاءات مغلقة أمام الإعلام.
سبتة تحت المجهر بعد تدفق عشرات الآلاف من المغاربة
وتأتي واقعة منع الطاقم الإعلامي المغربي في ظرف بالغ الحساسية، بعدما شهدت سبتة في الأيام الأخيرة تدفقاً بشرياً غير مسبوق من الجانب المغربي.
فقد تحدثت تقارير حديثة عن وصول عشرات الآلاف من المغاربة، وخاصة من الشباب، إلى محيط سبتة خلال أواخر يوليوز المنصرم ، قبل أن تعود أعداد كبيرة منهم إلى الديار المغربية.
وقد تحولت هذه الأحداث إلى مادة إخبارية دولية، وأعادت سبتة إلى واجهة الاهتمام الإعلامي والسياسي الأوروبي والمغربي، خصوصاً في ظل الصور والمشاهد الإنسانية القوية التي رافقت عمليات العبور والعودة.
وفي هذا السياق تحديداً، يصبح وجود الإعلام المغربي في الميدان أكثر أهمية، لا أقل أهمية.
فمن حق المشاهد المغربي أن يعرف ماذا يجري على مقربة من حدوده، ومن حق الرأي العام الدولي أيضاً أن يسمع الرواية المغربية وأن يطلع على المعطيات من مصادر إعلامية مغربية مباشرة.
منع الإعلام لا يحجب الحقيقة
إن منع الصحافي من دخول مكان الحدث لا يعني بالضرورة منع وصول الخبر إلى الرأي العام، لكنه قد يخلق فراغاً إعلامياً تستغله الروايات الأحادية والمعلومات غير الدقيقة.
ولهذا فإن التعامل مع الإعلام باعتباره جزءاً من المشكلة هو مقاربة تحتاج إلى مراجعة.
فالصحافي لا يصنع الحدث، وإنما ينقله. والكاميرا لا ترسم الحدود، وإنما توثق ما يحدث. والميكروفون لا يقرر في قضايا السيادة، وإنما يمنح المواطنين والمسؤولين والخبراء فرصة للتعبير.
ومن هنا، فإن احترام الصحافيين أثناء أداء مهامهم ينبغي أن يكون قاعدة، لا استثناء.
نداء إلى الرأي العام الدولي
إننا، أمام هذه الواقعة، نتوجه بنداء إلى المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة، وإلى الهيئات المهنية والنقابية، وإلى مختلف وسائل الإعلام الدولية، من أجل إيلاء هذه النازلة ما تستحقه من اهتمام، والتحقق من ظروف منع الطاقم الإعلامي المغربي من دخول سبتة، ومدى انسجام ذلك مع المبادئ الدولية المتعلقة بحرية الصحافة والوصول إلى المعلومة.
كما ندعو الرأي العام الدولي إلى النظر إلى هذه القضية بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، لأن حرية الصحافة حق لا ينبغي أن يتغير باختلاف الحدود أو المواقف السياسية.
وإذا كانت هناك أسباب قانونية أو أمنية حالت دون دخول الطاقم المغربي، فمن حق الرأي العام والصحافيين معرفة هذه الأسباب بوضوح وشفافية.
أما إذا كان المنع مرتبطاً فقط بهوية القناة أو بجنسية الصحافيين أو بطبيعة الموضوع الذي كانوا بصدد تغطيته، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة ويستدعي توضيحاً رسمياً ومسؤولاً.
الإعلام المغربي يريد الحقيقة… و الراي العام لا يخشاها
إن المغرب، وهو يواصل الدفاع عن قضاياه الوطنية ووحدته الترابية، في حاجة إلى إعلام قوي ومهني وحاضر في الميدان.
وقضية سبتة ومليلية والجزر الخالدات ليست قضية تخاف من الكاميرا، بل قضية تحتاج إلى الحضور الإعلامي المغربي، وإلى توثيق التاريخ والواقع، وإلى إيصال الصوت المغربي إلى العالم.
ومن حق الإعلام المغربي أن يكون حاضراً حيث توجد قضية مغربية، ومن حق الصحافي المغربي أن يمارس مهنته وفق القواعد المهنية والقانونية، ومن حق المواطن المغربي أن يعرف ما يجري في محيط بلاده.
إن إغلاق الأبواب أمام الصحافة لا يلغي القضية، ولا يمحو التاريخ، ولا يمنع الأسئلة من الاستمرار.
بل إن المنع نفسه قد يتحول إلى خبر أكبر من الحدث الذي كان الصحافي يريد تغطيته.
سبتة ومليلية والجزر الخالدات… ذاكرة وطنية وانتظار مفتوح
وبينما تتواصل التحولات في المنطقة، تظل قضية سبتة ومليلية والجزر الخالدات حاضرة في الوعي الوطني المغربي، باعتبارها جزءاً من ملف الوحدة الترابية والسيادة الوطنية دستوريا وحسب القوانين الدولية،
وقد تختلف المواقف السياسية حول كيفية تدبير هذه الملفات وسبل معالجتها، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنع النقاش العمومي ولا التغطية الإعلامية ولا التعبير عن المواقف الوطنية.
ومن هنا، فإن ما حدث مع طاقم «دوزيم» ينبغي ألا يمر كواقعة عابرة.
إنه اختبار حقيقي لاحترام حرية الصحافة، وحق الإعلام في الوصول إلى المعلومة، وحق الرأي العام في معرفة ما يجري.




