spot_img

ذات صلة

جمع

قراءة في فلسفة “الاختلاف” داخل الصالون الرمضاني للمحامين الشباب

** مصطفى الأبيض بإرادة حرة تسعى لتنوير الفضاء العمومي، نظم...

تأملات من وحي الصيام

**أمينة ابوالغنائم مالفرق بين الجن والشياطين وإبليس في القرآن الكريم؟! ومن...

تراتيل العبور نحو الضياء.. فلسفة “التنافس الشريف” في إقصائيات الشماعية القرآنية

 ** اليوسفية// ادريس محراش لم تكن الأجواء التي شهدتها الشماعية...

افتتاحية | حين يغرق الوطن في الصمت

#مصطفى_الآبيض

لم تكن فيضانات آسفي مجرد أمطار غزيرة عابرة، ولا حادثا طبيعيا يطوى بخبر عاجل وتعزية باردة، ما وقع مساء امس الأحد 14 ديسمبر الجاري،كان صفعة ثقيلة على وجه الذاكرة الوطنية، 22 روح أُطفئت في أقل من ساعة، وكأن الزمن نفسه تواطأ مع الإهمال ليكتب فصلا جديدا من كتاب الفواجع المؤجلة.

في آسفي، أغرق الماء الشوارع والبيوت، أغرِق معه سؤال قديم يتجدد كل مرة: هل نموت لأن السماء أمطرت… أم لأن الأرض لم تهيأ لاستقبال المطر؟

الفيضانات قدر طبيعي، نعم، لكنها حين تتحول إلى مقصلة للأرواح، فالأمر يتجاوز السماء ليصل إلى ما تحتها: بنية تحتية هشة، قنوات مختنقة، وذاكرة مؤسساتية لا تستيقظ إلا بعد الكارثة

هؤلاء الضحايا ليسوا أرقاما في نشرة أخبار، هم حكايات توقفت فجأة، وأسر ستتعلم العيش مع الفقد، وأطفال سيسألون لاحقا: لماذا لم ينقذهم أحد؟

وعشرون جريحا و اكثر ينجون بأجسادهم، لكنهم سيحملون طويلا صدمة اللحظة، حين صار الشارع واديا، والبيت فخا والسيارة قاربا بلا نجاة

المؤلم المبكي فيما حدث. أنه في كل موسم مطر نفاجأ، وكأن السماء ارتكبت خيانة غير متوقعة، وكأن التقارير، والإنذارات، وخطط الوقاية، لم تكتب يوما، نُسرع إلى الاستنفار بعد الفاجعة، ونُتقن لغة البيانات، ثم نعود إلى النسيان، إلى أن يأتي المطر القادم.

ليس المطلوب جلد الذات، ولا المتاجرة بالموت، بل مواجهة الحقيقة: المدن التي لا تحمي سكانها من أول اختبار طبيعي، مدن تدار بمنطق الترقيع لا بمنطق الاستباقية، والكرامة الإنسانية لا تقاس بحجم المشاريع المعلنة، بل بقدرة الشوارع على تصريف المطر، وبقدرة المؤسسات على إنقاذ الإنسان قبل أن يصبح خبرا

آسفي اليوم مدينة مكلومة، لكنها ليست وحدها، ما وقع فيها إنذار صريح، بلغة الماء والدم، بأن زمن التسويف انتهى،

فالسماء ستمطر دائما… والسؤال الوحيد الذي سيبقى معلقا:

هل سنكون في كل مرة مستعدين للحزن فقط؟ أم مستعدين للحياة أيضا؟

فرحم الله الضحايا، وشفَى الجرحى، ولتكن هذه الفاجعة آخر درس لا نحتاج بعده إلى ضحايا جدد كي نفهم.

spot_imgspot_img