تطل السنة الأمازيغية الجديدة 2976 على المملكة المغربية، ليس كعقرب ساعة يطوي زمنا مضى، بل كذاكرة حية وهوية حضارية متجددة تنبض في عروق الدولة الحديثة،إن الاحتفال بـ “إيض ن يناير” في المغرب اليوم، يتجاوز كونه طقسا تراثيا ليصبح إعلانا سياديا عن إرادة وطنية صلبة، حظيت بموجبها الأمازيغية بمكانة دستورية كلغة رسمية، مما يعكس الرؤية الملكية السامية في صون الموروث الثقافي وتعزيزه كدعامة أساسية للمشروع المجتمعي المغربي
هذا الاحتفال، الذي يتناغم فيه الإنسان مع الأرض والزمن والطبيعة، يمثل أحد أقدم التقاويم الإنسانية المرتبطة بالدورة الفلاحية والاستقرار البشري، مؤكدا أن الأمازيغ جذور ضاربة في عمق التاريخ، وهم من أقدم الشعوب التي استوطنت شمال إفريقيا وبنت حضارات متعاقبة، تركت بصماتها الخالدة في العمران واللغة وأنماط العيش الفريدة.
ويرتبط التقويم الأمازيغي، الذي يعود تاريخه إلى نحو 950 سنة قبل الميلاد، برمزية اعتلاء الملك الأمازيغي “شيشنق الأول” عرش مصر، وهو حدث يختزل قيم الانتصار والازدهار والارتباط العضوي بالتراب والزرع والحصاد. وفي كل ربوع المملكة، تتحول هذه المناسبة إلى عرس جماعي وعائلي تتنوع طقوسه بين إعداد الأطباق التقليدية العريقة وإحياء الذاكرة الشعبية المرتبطة بالخصوبة والتضامن الاجتماعي، إن هذا الغنى الثقافي، الممتد من “تشلحيت” إلى “تمازيغت” و”تاريفيت”، ليس مجرد تنوع لغوي، بل هو منظومة قيمية متكاملة تقوم على العيش المشترك واحترام الطبيعة، مما جعل الأمازيغية عبر العصور ثقافة منفتحة بامتياز، تفاعلت بانسيابية مذهلة مع المكونات العربية والإفريقية والأندلسية واليهودية، لتشكل في النهاية تلك “الاستثناء المغربي” في التعايش والتسامح.
إن المغرب اليوم يقدم نموذجا فريدا في التعدد الثقافي، حيث انصهرت كافة الإثنيات في هوية وطنية واحدة جامعة، دون إلغاء للخصوصيات، بل في إطار تكامل واعتراف متبادل يجعل من “إيض ن يناير” مناسبة وطنية لترسيخ قيم الاعتراف بالتعدد، وربط الأجيال الصاعدة بذاكرتها التاريخية، إن هذا الانصهار الذاتي والثقافي يؤكد أن الهوية المغربية، في عمقها وجوهرها، هي ثمرة تلاقح حضاري عظيم، قوامه الأرض والإنسان والتاريخ المشترك. فالاحتفاء بالسنة الأمازيغية هو احتفاء بوحدة المصير تحت سماء وطن واحد، يثبت للعالم أن قوة المغرب تكمن في تنوعه، وأن أرواح أبنائه، مهما اختلفت ألسنتهم، تتحدث لغة واحدة هي لغة الانتماء الخالص لتراب هذه الأرض الطيبة، لتظل المملكة حصنا منيعا للهوية الحضارية المتجددة التي لا تزيدها السنين إلا تجذراً وشموخاً