عرف المغرب خلال الأيام الأخيرة وضعًا مناخيا استثنائيا، انتقل فيه المشهد من انتظار الغيث بعد شهور من الجفاف إلى مواجهة فيضانات مفاجئة شمالا، وتساقطات ثلجية كثيفة حاصرت مناطق واسعة من الأطلس، من القصر الكبير إلى أزيلال وورزازات، بدت الطبيعة وكأنها تفرض إيقاعا جديدا، يختبر قدرة الدولة والمجتمع معًا على تدبير المخاطر في سياق مناخي متحول
في هذا السياق، سجلت تدخلات ميدانية وازنة لمختلف المصالح المختصة، حيث لعبت مروحيات الدرك الملكي دورا حاسما في فك العزلة عن الدواوير المحاصرة، وتأمين التموين والإجلاء الصحي، بالتوازي مع مجهودات الوقاية المدنية والسلطات المحلية والقوات المساعدة التي واجهت تدفقات المياه وانهيارات الطرق في ظروف ميدانية صعبة، هذه التدخلات عكست مستوىً متقدما من التنسيق، ورسخت من جديد أهمية الحضور الميداني للدولة في لحظات الخطر
غير أن القراءة التحليلية لهذا الوضع تكشف أن نجاعة التدبير الاستعجالي، رغم أهميته القصوى في حماية الأرواح، لا يمكن أن تشكل وحدها جوابًا مستدامًا. فالتغير المناخي لم يعد احتمالا نظريا، بل واقعا يفرض مقاربة وقائية قائمة على الاستباق، والتخطيط، والتأهيل المسبق للمجالات الهشة، التحذيرات الجوية، في هذا الإطار، ينبغي أن تتحول إلى أداة توجيه وسلوك مجتمعي، وليس مجرد نشرة عابرة لا تغيّر من الممارسات الخطِرة
وتبرز البنية التحتية كعامل حاسم في تقليص كلفة الكوارث، فاستمرار هشاشة قنوات التصريف، وضعف الطرق القروية، وغياب منشآت قادرة على استيعاب التحولات المناخية، يجعل عددًا من المناطق عرضة للتكرار الموسمي للأزمات، وهو ما يستدعي مراجعة عميقة لسياسات التهيئة الترابية، وإدماج معايير “المرونة المناخية” في التخطيط الحضري والقروي، بما يحفظ أمن السكان ويصون كرامتهم.
إن ما حملته هذه التساقطات من خير مائي لا ينفصل عن الرسالة التي بعثتها في الآن نفسه: المغرب مطالب اليوم بالانتقال من منطق التدخل عند الكارثة إلى منطق منعها. فبناء ثقافة الاستباق، وتعزيز الوعي الجماعي بالمخاطر، والاستثمار في بنية تحتية مقاومة للمناخ، تشكل مجتمعة الضمانة الحقيقية لكي يظل المطر نعمة… لا امتحانا متكررا