spot_img

ذات صلة

جمع

الإيمان كمنهج لتفكيك سجون الشهوة والمظاهر

** مصطفى الابيض خلف "ستار التدين الظاهري"، تكمن فلسفة عميقة...

حيـن نفــخ الله في الطين When God Breathed into Clay

 المصطفى بعدو

ما الحياة؟

سؤال قديم قدم الحيرة، جديد كلما نظرنا في المرآة ولم نعرف من نحن

هل هي أن تناضل لتؤدي فواتير وجودك؟

أن تصحو كل صباح كي تبرر للحياة سبب بقائك فيها؟

يبدو أن الحياة اليوم لا تطلب منا البطولة، بل فقط أن نملأ الاستمارات، ونُجيد التبسم في وجه الغلاء، ونقنع أنفسنا أن “كل شيء تمام” حتى ونحن ننهار ببطء وأناقة

الحياة، كما يتم التسويق لها في الإعلانات، مشروع رأسمالي كبير،

اشتريِ السعادة بالتقسيط، وادفع عمرك نقدا

احلم قليلاً، لكن لا تخرج عن “النظام العام”، فالمجتمع له نظامه، والفرد له نظامه، وبين النظامين يضيع الإنسان

يقال إن الحياة فلسفة، وأنا أقول إنها فلسفة بلا تطبيق

نتحدث عن الأخلاق في نشرات الأخبار، ثم نتقاتل على موقف للسيارة

نكتب عن الإنسانية في منشوراتنا، ثم نتجاهل من يطلب المساعدة عند الإشارة

نُغني للحرية ونحن نرتدي بدلة العبودية الأنيقة، وربطة عنقٍ صنعتها يد طفل في مصنع بعيد

الحياة مزيج من النور والظلام، من الخير الذي نتمناه والشر الذي لا مفر منه

كل إنسان فيها فيلسوف صغير وساخر كبير؛

يفكر في معنى الوجود وهو عالق في زحمة الطريق،

ويتأمل الكون الواسع وهو ينتظر دوره في مصلحة إدارية رتيبة

ورغم كل هذا العبث الجميل، تبقى الحياة درسا لا يدرس في الجامعات،

نتعلمه بخيباتنا الصغيرة وبصمتنا الكبير،

ونفهم متأخرين أن العيش لا يعني أن تتنفس،

بل أن تبقى قادرا على الضحك، رغم أن الأسباب كلها تقول العكس

الحياة،هل هي مجرد سعيٍ مضن نحو تحقيق مستوى معيشي يضمن للفرد كرامته واستقلاله الذاتي؟

أم هي معركة صامتة بين النظام العام الذي تفرضه السلطة والمجتمع، وبين النظام الداخلي الذي يرسمه الإنسان لنفسه في أعماقه؟

الحياة ليست معادلة بسيطة، بل فلسفة عميقة تتقاطع فيها الرغبات مع القيم، والمبادئ مع الواقع، والحلم مع الممكن

نعيش في عالم تحكمه الإيديولوجيات الكونية الكبرى، حيث تملي الرأسمالية على الإنسان إيقاعه اليومي، وتختزل وجوده في معايير الاستهلاك والنجاح المادي لكن، هل يمكن للحياة أن تختزل في رقم حساب أو وظيفة أو مكانة اجتماعية؟

الحياة في جوهرها صراع بين النور والظلمة، بين الخير والشر، بين الذات التي تبحث عن معناها، والعالم الذي يحاول أن يقوم بوضع تعريف لها كما وكيف يشاء

هي مساحة ضيقة بين الرغبة في الحرية والخضوع للضرورة، بين ما نريد أن نكونه، وما يراد لنا أن نكونه

ربما الحياة ليست أن نعيش فحسب، بل أن نفهم لماذا نعيش، وكيف نعيش، وماذا بعد أن نرحل، مالحياة بعدها؟ هل جنة ام نار ؟ هل هي رحمة ام عقاب؟

فما الحياة اذن؟

قبل أن نُجيب، علينا أن نسأل

ما الحياة في عمقها الكوني؟

هل هي صدفةٌ كيميائية تمخّضت عنها نطفة، ثم قررت أن تكتب الشعر وتناقش الفلسفة؟

أم هي إرادة إلهية كُتبت في لوحٍ محفوظ، نعيش فصولها كما يقرأ القارئ رواية يعرف نهايتها مسبقا؟

نحن، أبناء النطفة الصغيرة، نحمل فينا غرورا أكبر من المجرة، ونتحدث عن التحكم في المصير وكأننا نتحكم حتى في نبضات قلوبنا

نخاف من الموت، وننسى أننا نحمله منذ لحظة الميلاد، في خلايانا، في ظلّنا، في ضعفنا الذي يُذكرنا كل صباح بأننا مؤقتون،مالنا نحو الفناء

الحياة، في بعدها الكوني، ليست سوى ومضة في ليلٍ طويل؛

لكننا نتصرف كأنها أبدية، نبني ونكد ونتقاتل على أشياء سنتركها للغبار بعد حين

وفي بعدها الأخروي، هي امتحان مفتوح الأسئلة

لا أحد يعرف متى يغلق الدفتر، ولا كيف تُصحح الإجابات

أما في بعدها الإنساني، فهي توازن هش بين رغبتنا في الخلود وبين يقيننا بالفناء،

بين أن نكون أحرارا وبين أن نكون عبيدا لنظام نعتقد أننا اخترعناه، بينما هو من اخترعنا نحن

نحن نضحك على الحياة، وهي بدورها تضحك علينا

نخطط بدقةٍ مذهلة، فتأتي الرياح لتُذكرنا أننا لسنا مهندسي القدر، بل عابري سبيل في مخططٍ أوسع من عقولنا

ومع ذلك، ثمة شيء جميل في عبثنا هذا

أن نبحث عن الله في تفاصيل يومنا،

في نظرة أمّ، في صدق صدوق، في دعاء خافت عند الفجر،

فنكتشف أن الحياة ليست في ما نملك، بل في ما نشعر به ونحن نعيشها

ربما الحياة  في النهاية  ليست لغزا لنحله،

بل قصيدة نُكمل كتابتها ونحن نضحك من سذاجتنا الوجودية،

ونشكر الخالق الذي منحنا فرصة أن نحياها، ولو مؤقتا،

بكل تناقضاتها، وسخريتها، وبهائها أيضا

spot_imgspot_img