في خطوة غير مسبوقة، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، يوم الثامن من شتنبر الجاري، الحملة الإسرائيلية على غزة بأنها إبادة جماعية، مؤكدا أن بلاده، رغم افتقارها للأسلحة النووية وحاملات الطائرات والثروات النفطية، لن تتوقف عن محاولة وقف المجازر. تصريح سانشيز سرعان ما أثار موجة من ردود الأفعال الدولية، خصوصاً من إسرائيل التي اتهمته بتحريض على “إبادة الدولة اليهودية”.
السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بشدة: لماذا يلتزم سانشيز بهذه المواقف تجاه فلسطين، بينما ظلت إسبانيا تاريخيا من الدول الغربية الأكثر تعاطفا مع إسرائيل؟ الإجابة ترتكز على ثلاثة عوامل متشابكة:
أولا، الإرث التاريخي الإسباني، لم تشارك إسبانيا في الحرب العالمية الثانية ولم تتحمل “ذنب الهولوكوست”، ما سمح لها بتنمية علاقات وثيقة مع الفلسطينيين منذ السبعينيات، منها استقبال ياسر عرفات رسميا وافتتاح مكتب تمثيلي لمنظمة التحرير، ما رسخ تعاطفا شعبيا واسعا مع القضية الفلسطينية، إذ يرى 82% من الإسبان أن ما يجري في غزة “إبادة جماعية”
ثانياً، الواقع الداخلي الإسباني، سانشيز يقود ائتلافا حكوميا مع أحزاب يسارية مثل سومار وبوديموس، التي اشترطت الاعتراف بالدولة الفلسطينية كشرط لتأييد الحكومة، وتضغط اليوم من أجل المزيد من القطيعة مع إسرائيل، في المقابل، يهاجمه اليمين المحافظ و”فوكس” المتطرف لتواطئه المزعوم مع “الإرهابيين”، ما يضعه بين مطرقة وسندان.
ثالثا، الرؤية الشخصية لسانشيز كزعيم أوروبي يسعى للتميز الأخلاقي والسياسي، هي إجراءات عملية تروم وقف او إيقاف صفقات الأسلحة مع شركات إسرائيلية، منع توريد منتجات المستوطنات، إغلاق الموانئ والمجال الجوي أمام الشحنات العسكرية، وفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين متورطين في جرائم الحرب، بل ودعوة لمنع إسرائيل من المشاركة في الفعاليات الرياضية الدولية
يبقى التحدي الأكبر أمام سانشيز هو التوفيق بين هذه المواقف الأخلاقية والضغوط الداخلية والخارجية، بما في ذلك العلاقات مع واشنطن التي تمتلك قواعد عسكرية كبرى في إسبانيا، وضمان أن يظل دفاعه عن غزة أكثر من مجرد “محاولة أخلاقية لصوت عاقل في قارة صامتة”