بين ضفاف البحر المتلاطمة، وبين أحلام الأطفال الباحثين عن أفق أفضل، تتكشف مأساة لا تتوقف عند حدود البحر ولا عند حد الجغرافيا السياسية، مدينة سبتة المحتلة، ذلك المعبر الصغير الذي يتحول بين الفينة والأخرى إلى مسرح لمحاولات عبور محفوفة بالمخاطر، شهدت خلال الأيام الأخيرة فصولاً جديدة من الألم الإنساني، حين أعلنت الصحافة الإسبانية العثور على جثتي طفلين قضيا غرقاً بعد محاولتهما عبور البحر.
الجثة الأولى وُجدت في منطقة سارشال، والأخرى بعد ساعات قليلة في موقع يُعرف باسم “ريسينتو”، لتتأكد مرة أخرى حقيقة مأساوية: أعداد الضحايا الذين فقدوا حياتهم خلال محاولات الوصول إلى الضفة الأخرى ترتفع صيفا بعد صيف، لتتجاوز العشرين هذا العام فقط. التحقيقات مستمرة، والشرطة القضائية الإسبانية تسعى لتحديد هوية الضحيتين، لتسليم جثتيهما لعائلتيهما وإتاحة فرصة لدفنهما بكرامة، لكن ألم الفقد يبقى أثقل من أي إجراء إداري.
البيانات الرسمية تكشف عن منحى تصاعدي مثير للقلق: بين عامي 2022 و2025، شهدت سبتة المحتلة تذبذبا في حالات الدخول غير النظامي، إذ انخفضت قليلا في 2023 بعد 767 حالة في 2022، لكنها قفزت صاروخيا في 2024 لتصل إلى 1936 حالة، قبل أن يتواصل الصعود خلال 2025 ليبلغ 2418 حالة حتى غشت، معظمه من الأطفال والنساء والشباب الباحثين عن أمل أفضل خارج الحدود.
ما وراء هذه الأرقام، قصص مأساوية عن حياة يُغامر بها كل من يقرر المخاطرة بالعبور، وعن حلم بالنجاة والانطلاق نحو مستقبل أكثر أماناً، وفاة الطفلين الأخيرين تنبيه صارخ على المخاطر المتصاعدة التي تكتنف كل محاولة عبور بحرية أو برية.
فإلى متى سيظل هذا المنحنى التصاعدي من المخاطر قائما؟
وهل ستنجح الإجراءات الأمنية وحدها في مواجهة موجات الهجرة الصاعدة، أم أن هناك حاجة ملحة لمعالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الأطفال والشباب إلى المخاطرة بحياتهم في سبيل حلم بعيد؟
أسئلة كثيرة تظل معلقة بين شواطئ سبتة وبين ضفاف ضحايا البحر الذين لم يعرفوا بعد مستقبلا آمنا.