بعد إنهائه دور المجموعات في صدارة المجموعة الأولى بفوز مقنع على زامبيا، يدخل المنتخب المغربي مرحلة ثمن النهائي وهو محاط بتوقعات كبيرة، غير أن الحسابات التقنية تشير إلى سيناريو معقد قد يضعه في مواجهة منتخب البنين، ثالث المجموعة الرابعة، في ظل تقلص حظوظ تنزانيا وأوغندا في المنافسة على إحدى بطاقات أفضل الثوالث، مواجهة تبدو، على الورق، في متناول “أسود الأطلس”، لكنها تحمل في طياتها الكثير من التعقيد التكتيكي.
من زاوية تحليلية بحتة، لا يُقاس خطر منتخب البنين بقيمة أسمائه، بل بطبيعة منظومته الجماعية. هو منتخب يجيد اللعب في المساحات الضيقة، يعتمد على كتل دفاعية منخفضة، وتوازن صارم بين الخطوط، مع قدرة واضحة على التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم، هذا النوع من المنتخبات لا يبحث عن الاستحواذ، بل عن استنزاف الخصم ذهنيًا وإجباره على ارتكاب الخطأ، وهو سيناريو تكرر كثيرا في تاريخ الأدوار الإقصائية لكأس إفريقيا.
هيرفي رونار، أحد أكثر المدربين دراية بدهاليز الكرة الإفريقية، سبق أن لخّص هذا النوع من المواجهات بقوله: “في إفريقيا، الخصم الذي لا يملك شيئا ليخسره يصبح الأخطر، لأنه يلعب بعقلية البقاء، وليس بعقلية العرض”. هذا الوصف ينطبق إلى حد بعيد على منتخب البنين، الذي يدخل مثل هذه المواجهات بأريحية نفسية، ويحوّل الضغط بالكامل إلى الطرف المرشح.
من جهته، شدد جمال بلماضي في أكثر من مناسبة على أن “مباريات الإقصاء تُحسم بالصبر وإدارة التفاصيل الصغيرة، لا بالسيطرة الشكلية”، وهو طرح يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمنتخب المغربي، فالسيطرة المتوقعة في الاستحواذ لا تعني بالضرورة التفوق، ما لم تُترجم إلى حلول متنوعة وقدرة على كسر التكتل الدفاعي دون تسرع أو اندفاع غير محسوب
عناصر القوة لدى المنتخب المغربي تبقى واضحة: عمق هجومي غني، لاعبو وسط قادرون على التحكم في النسق، وتوازن دفاعي تحسّن بشكل ملحوظ مع توالي المباريات، إضافة إلى أفضلية اللعب على الأرض وأمام جماهيره. غير أن التحدي الأكبر يكمن في البعد الذهني: كيفية الحفاظ على التركيز، تفادي القلق في حال تأخر التسجيل، وعدم السقوط في فخ اللعب العرضي أو الاعتماد المفرط على الحلول الفردية.
في المقابل، سيبني منتخب البنين، إذا تأكدت المواجهة، استراتيجيته على تقليص المساحات، كسب الوقت، واستغلال الكرات الثابتة والهجمات المرتدة، وهي نقاط تتطلب من الدفاع المغربي يقظة دائمة وانضباطًا في التمركز، لأن خطأ واحدًا قد يغيّر مسار مباراة تُلعب بنظام “لا مجال للتعويض”
في المحصلة، ورغم أن المنتخب المغربي يدخل هذه المواجهة الافتراضية بصفته المرشح الأقوى، فإنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى نضجه التنافسي وقدرته على إدارة مباريات التفاصيل. وكما قال فابيو كابيلو ذات مرة: “البطولات الكبرى لا تُحسم في المباريات اللامعة فقط، بل في القدرة على تجاوز المواجهات المعقّدة دون أن تفقد توازنك”، معادلة يعرفها “أسود الأطلس” جيدا، وستكون مفتاح عبورهم بثبات نحو الأدوار المتقدمة وحلم التتويج القاري على أرض الوطن.