في مشهد ثقافي وإنساني عميق الدلالة، احتضنت مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة بمراكش، يوم السبت 11 أبريل 2026، فعاليات تقديم وتوقيع كتاب “أنامل مبصرة” للكاتبة والاعلامية الكبيرة سعاد تثقف، في لقاء استثنائي جمع بين الأدب والتجربة الحسية والوعي المجتمعي. اللقاء، الذي جاء تحت شعار “حين تتكلم الأنامل ينصت الكلام”، لم يكن مجرد نشاط ثقافي عابر، بل شكل محطة للتفكير الجماعي في قضايا الإعاقة، وإعادة النظر في الصور النمطية المرتبطة بها، من خلال تجربة أدبية وإنسانية متكاملة.
قراءات متعددة… ورؤية واحدة
عرفت فقرات اللقاء تقديم قراءات متنوعة في مضامين الكتاب، شارك فيها كل من: عمر البرج، محمود فتحي، أمينة المهداوي، نور الدين بنشقرون، فاطمة الزهراء زرابا، سعيد أخي، يوسف الزراق، هشام الرفيعي، نزهة زنبوع، وجلال عبد الغني. وقد التقت هذه القراءات عند إبراز العمق الإنساني للنص، الذي لا يكتفي بسرد تجربة، بل ينقل القارئ إلى عالم يُبصر بالحس، ويُفهم باللمس، ويُعاد تشكيله بالخيال.
المكفوفون… أبعد من الصورة النمطية
أكدت مداخلات المشاركين أن الأشخاص المكفوفين ليسوا مجرد ذوي إعاقة دائمة، بل هم فاعلون قادرون على بناء عوالمهم الخاصة، وصناعة ما يمكن تسميته بـ”الخوارج الذهنية”، حيث يتحول الحس واللمس والتصور إلى أدوات بديلة للرؤية، بل إلى طاقة إبداعية تعيد تعريف الإدراك نفسه إنها دعوة صريحة للانتقال من نظرة الشفقة إلى منطق الفهم، ومن الإحسان إلى الاعتراف بالقدرة والتميّز. تكريمات في لحظة اعتراف. كما شكل هذا اللقاء مناسبة لتكريم عدد من الحاضرين والمشاركين، اعترافًا بإسهاماتهم الثقافية والإنسانية، في أجواء طبعها الامتنان والتقدير، وعكست روح التضامن التي ميزت الحدث.
تجربة معصوبي الأعين… صدمة الوعي
لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا في هذا اللقاء، كانت بلا شك التجربة الفريدة التي خاضها الحاضرون، والمتمثلة في تناول وجبة غذاء وهم معصوبو الأعين. هذه التجربة، التي تُعد الأولى من نوعها بالنسبة لكثيرين، تحولت إلى لحظة صادمة ومؤثرة، حيث وجد المشاركون أنفسهم أمام واقع يومي يعيشه المكفوفون في صمت. وقد عبر عدد منهم عن صعوبة التحكم في أبسط الحركات، وعن شعور عميق بالارتباك وفقدان التوازن، معتبرين أن التجربة كانت “مؤلمة” على المستوى النفسي، لكنها ضرورية لفهم حقيقي لمعنى فقدان البصر.
من التجربة إلى الوعي
لم يكن الهدف من هذه المبادرة إثارة الشفقة، بل خلق وعي حيّ قائم على التجربة، يؤكد أن الإدماج لا يتحقق بالشعارات، بل بالفهم العميق لمعاناة الآخر، وتقدير قدراته في الآن ذاته.
ختام يحمل رسالة
اختُتم اللقاء في أجواء مفعمة بالتأثر والإعجاب، حيث أجمع الحاضرون على أهمية مثل هذه المبادرات التي تمزج بين الثقافة والتجربة الإنسانية، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم قضايا الإعاقة بشكل أكثر إنصافًا وعمقًا. لقد نجح هذا الحدث في إيصال رسالة واضحة مفادها أن الإنسان لا يُقاس بما يفقده، بل بما يستطيع أن يخلقه من معنى، وأن النور الحقيقي ليس ما نراه بالعين، بل ما ندركه بالقلب والعقل.