يمر السودان، أحد أغنى دول المنطقة من حيث الموارد الطبيعية، بمرحلة تاريخية معقدة يتقاطع فيها الصراع الداخلي مع الأجندات الإقليمية والدولية في سباق محموم للسيطرة على ثرواته الهائلة، فما يبدو للوهلة الأولى نزاعا بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، يخفي في جوهره مشروعا أعمق لإضعاف الدولة السودانية وتفكيكها، تماما كما حدث عند انفصال الجنوب في عام 2011.
منذ تلك اللحظة المشؤومة، بدأ مسار “امبريالي استعماري” استنزاف ممنهج استهدف قلب الدولة وثرواتها، ليتواصل اليوم بأدوات جديدة وشخصيات مختلفة، لكن بنفس الغاية: تفريغ السودان من قوته وإبقاؤه ساحة مفتوحة للنهب والنفوذ، وتتركز الأطماع الحالية على إقليم دارفور الغني بالذهب واليورانيوم واحتياطيات النفط، إلى جانب ثرواته الزراعية والحيوانية والمائية، التي جعلت منه محور الصراع الجديد بين القوى الدولية والإقليمية.
بعد الإطاحة بنظام عمر البشير في أبريل 2019 إثر احتجاجات شعبية واسعة، دخل السودان مرحلة انتقالية حساسة قادها المجلس العسكري بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، غير أن التوافق الهش بين الرجلين سرعان ما انهار، خاصة بعد محاولة دمج قوات الدعم السريع في الجيش، ليتحول الخلاف إلى صراع دموي مفتوح في 15 أبريل 2023، جعل الخرطوم وسائر الولايات ميادين حرب شاملة.
لكن ما يجري في السودان مجرد تنافس على السلطة،فخلف هذا الصراع تتقاطع مصالح إقليمية ودولية واضحة. إذ تشير تقارير وتحليلات استراتيجية إلى وجود مخطط يستهدف إعادة إنتاج سيناريو التقسيم عبر فصل إقليم دارفور وتحويله إلى كيان مستقل، في تكرار مباشر لتجربة جنوب السودان، هذا السيناريو الذي يتهم فيه أطراف إقليمية(غربية وعربية)، بدعم قوات حميدتي عسكريا وماليا يفتح الباب أمام إنشاء “دولة دارفور” الغنية بالموارد، لتصبح كيانا وظيفيا يخدم مصالح خارجية، وعلى رأسها المصالح الإخرائيلية غير المباشرة في المنطقة.
يتجسد هذا المشروع تدريجيا من خلال دعم المليشيات بالمال والسلاح، وخلق واقع ميداني قائم على التهجير والتغيير الديموغرافي في دارفور، تمهيدا لتشكيل سلطة موازية تسيطر على الموارد وتديرها خارج سلطة الخرطوم، وفي حال نجاح هذا السيناريو، فإن السودان سيفقد جزءا جوهريا من مقوماته الاقتصادية، لتتحول الدولة إلى كيان هش ومحاصر، وتُفتح المنطقة على مرحلة جديدة من الفوضى والاقتتال العرقي.
وفي المقابل، يبرز سيناريو آخر يقوم على فرض وحدة الدولة واستعادة الجيش للسيطرة على كامل التراب السوداني، هذا السيناريو، رغم صعوبته وتكلفته الباهظة، يبقى الخيار الوحيد القادر على حماية السيادة الوطنية وضمان بقاء السودان دولة واحدة،غير أن انتصار الجيش لا يعني نهاية الأزمة؛ إذ يتطلب تفكيك المليشيات وإعادة بناء مؤسسات الدولة من الصفر، وسط تحديات اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة
أما على المستوى الإنساني، فإن الكارثة بلغت مستويات غير مسبوقة، فالحرب الجارية أدت إلى مقتل وتشريد مئات الآلاف، وأطلقت موجات نزوح جماعي نحو دول الجوار، خاصة تشاد وجنوب السودان، بينما يعيش الملايين في ظروف مأساوية نتيجة انعدام الأمن والغذاء والرعاية الصحية، وفي سيناريو التقسيم المفترض، يتوقع أن تتضاعف هذه المأساة بفعل استمرار التهجير القسري والتطهير العرقي في دارفور، ليصبح ملايين السودانيين لاجئين في الداخل والخارج، بينما تتهاوى الخدمات الأساسية وتنهار القطاعات الحيوية.
أما المجتمع الدولي، فقد اكتفى حتى الآن بمواقف باهتة تفتقر إلى الحزم، في وقت تتسارع فيه عمليات التمويل والتسليح للمليشيات على مرأى من العالم،
إن تردد القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في اتخاذ إجراءات صارمة ضد الدول التي تمول وتسلح أطراف الصراع، يمثل تواطؤا صامتا يسهم في إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعة الفوضى.
اليوم، تقف الإنسانية أمام امتحان أخلاقي واستراتيجي في السودان، فإما أن يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف شريان الحرب وتجفيف مصادر تمويلها، ودعم المؤسسة الوطنية لاستعادة الدولة، أو يترك البلاد تنزلق نحو التقسيم الكامل والانهيار الدائم.
إن السودان ليس مجرد ساحة نزاع محلي، بل نموذج متكامل لصراع الثروات والمصالح، حيث تختفي الشعارات السياسية خلف سباق محموم على الذهب والنفط والمياه،وإذا لم يتغير المسار قريبا، فإن “دارفور” قد تتحول إلى “جنوب جديد”، لتكتمل حلقة التقسيم، وتعاد كتابة الجغرافيا السياسية للمنطقة على أنقاض وطنٍ أُنهكته الحروب والمؤامرات.