spot_img

ذات صلة

جمع

الإيمان كمنهج لتفكيك سجون الشهوة والمظاهر

** مصطفى الابيض خلف "ستار التدين الظاهري"، تكمن فلسفة عميقة...

انهيار عمارة الحي الشتوي بمراكش… إنذار عمراني يفضح أعطاب المراقبة ويضع سلامة البناء تحت المجهر

**توفيق مفتوح

في الساعات الأولى من صباح الخميس، اهتزت مدينة مراكش على وقع انهيار كلي لعمارة مكونة من خمسة طوابق كانت في طور البناء بمنطقة الحي الشتوي، إحدى أكثر المناطق حساسية وحيوية بالمدينة الحمراء، حادث خطير كاد أن يتحول إلى فاجعة إنسانية لولا التدخل الاستباقي للسلطات المحلية، التي سارعت إلى إخلاء محيط الورش قبل ساعات من الانهيار، ما حال دون تسجيل أية خسائر في الأرواح، رغم الأضرار المادية التي طالت البناية المنهارة وتسببت في انهيار جزئي للمبنى المجاور

هذا الحادث، الذي أعاد إلى الواجهة شبح الانهيارات البنايات العمرانية، يطرح أسئلة ثقيلة حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه، وحول مدى صرامة منظومة المراقبة والتتبع التي تؤطر أوراش البناء، خاصة في مدينة تعرف توسعًا عمرانيا متسارعًا وضغطا عقاريا متزايدا،فمثل هذه الانهيارات لا تحدث صدفة، ولا يمكن عزلها عن اختلالات تقنية محتملة تتراوح بين ضعف أو غياب الدراسات الجيوتقنية للتربة، وأخطاء في التصاميم الهندسية، وعدم احترام المعايير التقنية المعمول بها، أو استعمال مواد بناء غير مطابقة للمواصفات، إلى جانب تسريع وتيرة الأشغال على حساب شروط السلامة والمراقبة المستمرة

ورغم تعدد الفرضيات المتداولة، تبقى الخبرة التقنية والتحقيقات القضائية وحدها المخولة لتحديد السبب المباشر للانهيار وترتيب المسؤوليات بشكل دقيق، بعيدا عن أي مزايدات أو أحكام متسرعة،غير أن المؤكد هو أن الواقعة تعيد بقوة طرح إشكالية المراقبة القبلية والبعدية لأوراش البناء، منذ مرحلة الترخيص، مرورا بتتبع الأشغال، وصولا إلى التأكد من احترام دفاتر التحملات والمعايير الهندسية في أدق تفاصيلها

المسؤولية في مثل هذه الحالات لا يمكن اختزالها في طرف واحد، بل تتقاسمها عدة جهات، تشمل صاحب المشروع، والمهندس المعماري، ومكتب الدراسات، والمقاولة المنجزة، فضلًا عن المصالح الإدارية المكلفة بالمراقبة والتتبع. وأي تساهل أو تقصير في إحدى حلقات هذه السلسلة قد يؤدي إلى نتائج كارثية، خاصة عندما يتعلق الأمر ببنايات متعددة الطوابق وفي أحياء تعرف كثافة عمرانية عالية.

تفادي تكرار مثل هذه الكوارث يمر حتما عبر تشديد المراقبة التقنية في مختلف مراحل البناء، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون أي استثناء، وفرض احترام صارم لقوانين التعمير والمعايير الهندسية، مع تعزيز الشفافية في مساطر منح الرخص وتتبع الأوراش، وإشراك خبرات مستقلة في مراقبة المشاريع الكبرى، خاصة في المدن ذات الحساسية العمرانية والسياحية.

ولا تقتصر تداعيات مثل هذه الحوادث على الخسائر المادية المحتملة، هي تشويه لصورة المغرب في مرحلة دقيقة يستعد فيها لاحتضان تظاهرات قارية ودولية كبرى، من بينها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم، حيث باتت جودة البنية التحتية ومستوى السلامة العمرانية محل متابعة دولية دقيقة، من هنا، لا ينبغي أن يمر حادث الحي الشتوي واحياء أخرى في مراكش كمجرد خبر عابر، بل كجرس إنذار حقيقي يستدعي مراجعة شاملة لقطاع البناء، حماية لأرواح المواطنين، وصونا لصورة مدينة مراكش والمملكة ككل، لأن الوقاية، في مثل هذه القضايا، تبقى أقل كلفة بكثير من الندم بعد وقوع الكارثة

spot_imgspot_img