spot_img

ذات صلة

جمع

المنطقة الأمنية لقلعة السراغنة تحتفي بالذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني

** د.السعيد أخي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن...

** مراكش// يوسف بوحجلة لم تعد الهوامش في المشهد السياسي...

قمة “إفريقيا إلى الأمام” بنيروبي: المغرب يستعرض ريادته في السيادة الصحية والذكاء الاصطناعي

** أمينة أبو الغنائم تجسيدا للرؤية الملكية السامية الداعية لتعزيز...

بين عبق التاريخ وهيبة الورق.. مراكش تفتتح الدورة 16 للمعرض الجهوي للكتاب بساحة “الكتبية”

** أمينة أبوالغنائم تحت ظلال صومعة الكتبية الشامخة، وفي قلب الفضاء...

** مراكش// يوسف بوحجلة

لم تعد الهوامش في المشهد السياسي المغربي مجرد فضاءات لتأثيث الصالونات الفكرية، لكن تحولت، كما كشفت مناظرة مراكش السادسة للمجتمع المدني، إلى مختبرات تشريح حقيقية تضع الجسد السياسي والمؤسساتي للبلاد فوق طاولة النقد البنيوي الجريء، إن القراءة المتأنية في تفاصيل هذا اللقاء، الذي يأتي في سياق زمني بالغ الحساسية والتعقيد، تتجاوز منطق التغطية الإعلامية الكلاسيكية لتغوص في عمق أزمة أعمق: أزمة الوساطة، وجدلية النص القانوني في مواجهة كوابيس الممارسة اليومية، ورهان استحقاقات 2026 التي تلوح في الأفق كاختبار حاسم لمدى قدرة الدولة والنخب والمجتمع على صياغة تعاقد تاريخي جديد يعيد للمواطن ثقته المفقودة في الفعل السياسي

حين تفكك المناظرة ثنائية “التمثيل والتمكين”، تبرز مفارقة صارخة يعيشها المشهد الحزبي المغربي؛ فبينما يتبجح الخطاب الرسمي بمكتسبات التمييز الإيجابي لتعزيز الحضور النسائي والشبابي، تكشف البنيات الحزبية المغلقة عن عجز بنيوي في تحويل هذه “الكوتا” القانونية إلى تمكين سياسي حقيقي ومؤثر، ليظل السؤال معلقا: هل نعيش عدالة تمثيلية حقيقية أم مجرد مساحيق تجميلية لتأثيث المشهد أمام الرأي العام الدولي والمحلي؟

هذا التساؤل يتقاطع موضوعيا مع مأزق التدبير او التسيير الترابي، حيث تضعف كفاءة النخب المنتخبة أمام شعارات التنمية المحلية؛ إذ لا يمكن الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة في بيئة محلية تفتقر فيها النخب إلى الجاذبية السياسية والقدرة التدبيرية، مما يحول العمل التمثيلي في مجالس الجماعات إلى امتداد روتيني لبيروقراطية الإدارة بدلا من أن يكون قاطرة للفعل الابداعية التنموي

إن التوتر الحقيقي الذي وضعته المناظرة تحت المجهر يكمن في تلك المسافة الرمادية الفاصلة بين هندسة القوانين الانتخابية واجتهادات المحكمة الدستورية من جهة، وبين الإكراهات الفجة للواقع السياسي من جهة أخرى، فالمغرب لا يعاني من “عقم تشريعي”، أو بالأحرى من “مقاومة واقعية” لإفراز نخب فعالة؛ فالترسانة القانونية، مهما بلغت دقتها وحكامة تخليقها، تظل قاصرة ما لم توازيها إرادة سياسية حقيقية لدى الفاعل الحزبي لتطهير صفوفه وتغليب الكفاءة على حساب “أعيان الانتخابات” وتجار التزكيات

وهنا يطرح الاستفهام الجوهري: هل تملك القوانين الزجرية وسياسة التجريم والعقاب القدرة الفسيولوجية على بتر “باثولوجيا” الفعل الانتخابي والمال الفاسد، أم أن المرض تجذر في البنية السلوكية للمجتمع والفاعل السياسي معا، بحيث أصبحت النزاهة مطلبا نخبويا بينما الواقع يتحرك بآليات ريعية مغايرة؟

في البعد السوسيولوجي للظاهرة السياسية المغربية، تبدو معضلة عزوف الشباب مأزقا بنيويا يهدد شرعية الاستحقاقات المقبلة؛ فالشباب المغربي اليوم لا يتحرك بين “ثابت” الولاء للمؤسسات و”متغير” البرامج الحزبية، ليقع في منطقة رمادية من “اللاجدوى”، مدفوعا بأزمة ثقة خانقة في وسائط حزبية تقليدية عجزت عن تجديد خطابها وآلياتها

وأمام هذا التراجع الحزبي، يبرز السؤال المقلق حول دور المجتمع المدني: هل تحول هذا الأخير إلى مجرد إطفائي للحرائق الاجتماعية ووسيط لتصريف الأزمات، أم أنه قادر على اقتحام الحقل السياسي وإعادة صياغة “الممكن” من خلال فرض أجندات إصلاحية حقيقية قادمة من القاع السوسيولوجي؟

إن مناظرة مراكش، في نسختها السادسة، لم تقدم أجوبة جاهزة بقدر ما عرت الواقع؛ حيث أكدت أن أفق 2026 هو امتحان عسير للمصداقية والفعالية، وإذا كان الفكر الأكاديمي قد نجح في تشخيص الداء ووضع اليد على مكامن الخلل بين النص والواقع، فإن الكرة الآن تبدو في مرمى النخب السياسية المطالبة بالانتقال من منطق “الانتخابوية العابرة” إلى منطق “السياسة المستدامة”، وإلا فإن الهوة بين الشارع والمؤسسات ستتسع إلى الحد الذي قد لا تنفع معه كل أدوات الهندسة القانونية والدستورية

spot_imgspot_img