تحرير:امينة ابوالغنائم
(دراسة سياسية ومعطيات عامة)
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تدخل الساحة السياسية المغربية مرحلة جديدة من الترقب، بعدما بدأ العد التنازلي لواحد من أهم الاستحقاقات السياسية خلال الولاية المقبلة.
وبحسب المعطيات الرسمية، سيجري انتخاب 395 عضواً بمجلس النواب، بمشاركة 27 حزباً سياسياً، فيما ستنطلق الحملة الانتخابية رسمياً يوم 10 شتنبر وتنتهي ليلة 22 شتنبر.
لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه في الكواليس ليس فقط: من سيفوز؟
بل أيضاً من سيتمكن من تصدر المشهد؟
ومن سيحسن تحويل حضوره التنظيمي والمحلي إلى أصوات ومقاعد؟
الأحرار.. أفضلية البداية لا تعني ضمان النهاية!!!
عند قراءة خريطة الانتخابات المقبلة انطلاقاً من نتائج 2021، يظل التجمع الوطني للأحرار واحداً من أبرز المرشحين لاحتلال المرتبة الأولى.
ففي انتخابات 2021، تصدر الأحرار النتائج بـ 102 مقعداً، متقدماً على الأصالة والمعاصرة بـ87 مقعداً والاستقلال بـ81 مقعداً.
هذه الأرقام تمنح الحزب أفضلية مهمة من حيث نقطة الانطلاق، لكنها لا تعني بالضرورة أن انتخابات 2026 ستكرر سيناريو 2021.
فالانتخابات الجديدة ستجري في سياق سياسي واجتماعي مختلف، وستكون حصيلة الحكومة، ومدى رضا الناخبين عن أدائها، وقدرة التنظيمات الحزبية على تعبئة الناخبين، عوامل أساسية في تحديد اتجاه التصويت.
البام.. المنافس الذي قد يقلب الحسابات!
في المقابل، يبقى حزب الأصالة والمعاصرة رقماً صعباً في المعادلة.
والحزب لا يعتمد فقط على حضوره البرلماني، وإنما يمتلك أيضاً امتداداً انتخابياً محلياً وجهوياً مهماً.
وفي جهة مراكش-آسفي تحديداً، تكشف نتائج الانتخابات الجهوية لسنة 2021 عن قوة واضحة للبام، الذي حصل على 19 مقعداً من أصل 75، مقابل 17 للأحرار و14 للاستقلال.
وهذا المعطى يجعل الجهة واحدة من الساحات التي تستحق متابعة دقيقة خلال الأسابيع المقبلة.
فإذا تمكن البام من تحويل حضوره المحلي إلى تعبئة انتخابية قوية، فقد يصبح منافساً جدياً على صدارة عدد من الدوائر، وليس فقط على المرتبة الثانية وطنياً.
الاستقلال.. الميزان ذو مكيالين،و الذي لا ينبغي إغفاله !!
أما حزب الاستقلال، فيدخل السباق وهو يمتلك رصيداً انتخابياً وتنظيمياً لا يمكن تجاهله.
فقد حصل في انتخابات 2021 على 81 مقعداً، وجاء ثالثاً وطنياً خلف الأحرار والبام.
لكن أهمية الاستقلال في انتخابات 2026 قد لا تقاس فقط بنتيجته الوطنية السابقة، وإنما بقدرته على الحفاظ على قوته في الدوائر المحلية، خصوصاً في المناطق التي يمتلك فيها امتداداً تاريخياً وتنظيمياً.
ولهذا فإن السؤال المطروح هو: هل يستطيع الاستقلال أن يحول حضوره المحلي إلى قفزة وطنية تجعله ينافس على الصدارة، أم سيبقى في موقع المطارد؟
ثلاثة أحزاب.. وحكومة واحدة تحت الاختبار الانتخابي
المفارقة السياسية الأساسية أن الأحزاب الثلاثة الأكثر حضوراً في معادلة الصدارة — الأحرار والبام والاستقلال — تشكل مكونات أساسية في الأغلبية الحكومية الحالية.
ومن هنا، فإن انتخابات 2026 لن تكون فقط منافسة بين أحزاب، وإنما ستكون أيضاً نوعاً من الاستفتاء السياسي غير المباشر على حصيلة المرحلة الحكومية.
فارتفاع نسبة الرضا الشعبي قد يساعد أحزاب الأغلبية على الحفاظ على قوتها، بينما يمكن أن يؤدي عدم الرضا إلى انتقال جزء من الأصوات نحو المعارضة أو نحو أحزاب أخرى.
العدالة والتنمية.. هل بدأت رحلة العودة؟
ويبقى حزب العدالة والتنمية أحد أكثر المتغيرات إثارة للاهتمام.
فبعد التراجع الكبير الذي عرفه في انتخابات 2021، حين حصل على 13 مقعداً فقط، أصبح السؤال المطروح في 2026 هو:
هل يستطيع حزب العدالة والتنمية استعادة جزء من قاعدته الانتخابية السابقة؟
ولا يعني الحديث عن تحسن محتمل في وضع الحزب أنه سيعود بالضرورة إلى صدارة المشهد، لكن مجرد استعادته لجزء من أصواته السابقة يمكن أن يؤثر في توزيع المقاعد، خصوصاً في الدوائر التي تكون فيها المنافسة متقاربة.
مراكش-آسفي.. مختبر انتخابي مهم بكل المقاييس!
إذا كانت الانتخابات الوطنية ستحدد موازين القوى في المغرب، فإن جهة مراكش-آسفي ستكون بدورها واحدة من أبرز الجهات التي تستحق المتابعة.
فنتائج 2021 الجهوية أظهرت تقارباً نسبياً بين القوى الثلاث الكبرى: البام بـ19 مقعداً، والأحرار بـ17، والاستقلال بـ14.
وفي مدينة مراكش نفسها، أظهرت الانتخابات الجماعية لسنة 2021 حضوراً متقارباً للبام والأحرار والاستقلال،
مع استمرار حضور أحزاب أخرى، وهو ما يجعل الخريطة المحلية مفتوحة على أكثر من سيناريو.
أما في دائرة آسفي، فقد تصدر البام نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021، متبوعاً بالاستقلال والحركة الشعبية، ما يؤكد أن بعض دوائر الجهة قد تعرف منافسة شديدة خلال الاستحقاق المقبل.
أين يمكن أن تقع المفاجأة؟
في الانتخابات المغربية، لا تكفي دائماً قراءة شعبية الحزب على المستوى الوطني.
فالمقاعد تُحسم داخل الدوائر، وهناك عوامل محلية قد تغير النتيجة: قوة المرشح، التحالفات المحلية، الحضور التنظيمي، العائلات والامتدادات الاجتماعية، مستوى التعبئة، ونسبة المشاركة.
ولهذا قد يكون من الخطأ افتراض أن الحزب الذي يتصدر وطنياً سيحصل بالضرورة على المرتبة الأولى في كل جهة أو إقليم.
القراءة الحالية.. وليست نتيجة مسبقة
بناءً على المعطيات المتوفرة حالياً، يمكن وضع الأحرار والبام والاستقلال في مقدمة السباق، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام تغير الترتيب خلال الأسابيع الحاسمة التي تسبق الاقتراع.
والتقدير التحليلي الحالي يمكن تلخيصه في الآتي:
الأحرار: أفضلية نسبية بحكم نتيجة 2021 وقوة الحضور التنظيمي، لكن عليه مواجهة اختبار الحصيلة الحكومية.
البام: منافس قوي، وتظهر قوته بشكل خاص في عدد من المعاقل المحلية والجهوية، ومن بينها مراكش-آسفي.
الاستقلال: قوة انتخابية تاريخية وتنظيمية، وقد يكون قادراً على رفع رصيده إذا نجح في استثمار حضوره المحلي.
الاتحاد الاشتراكي: يظل قادراً على تحقيق نتائج مهمة في بعض الدوائر، خصوصاً حيث يمتلك حضوراً تاريخياً حاصة أكادير.
العدالة والتنمية: العلامة الاستفهامية الكبرى؛ فإذا نجح في استعادة جزء معتبر من قاعدته، فقد يؤثر بشكل واضح في توزيع المقاعد.
لكن من سيحصل على الأغلبية؟
هنا يجب التمييز بين تصدر الانتخابات والحصول على الأغلبية المطلقة.
مجلس النواب يتكون من 395 مقعداً، وبالتالي فإن الأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعداً. ومن الصعب، وفق بنية المشهد الحزبي المغربي والنتائج السابقة، اعتبار حصول حزب واحد على هذا العدد السيناريو الأكثر ترجيحاً.
الأقرب، في القراءة الحالية، هو أن الحزب الذي سيتصدر النتائج سيحتاج إلى التفاوض مع أحزاب أخرى لتشكيل أغلبية حكومية.
وبذلك قد يكون السؤال الأهم في ليلة 23 شتنبر ليس فقط:
«من تصدر الانتخابات؟»
بل:
«من يملك القدرة على تشكيل الأغلبية المقبلة؟»
الكواليس ستبدأ في الحسم قبل يوم الاقتراع
ومع اقتراب موعد إيداع الترشيحات بين 31 غشت و8 شتنبر، ثم انطلاق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر، ستبدأ الصورة الحقيقية في الظهور بشكل أكبر: أسماء المرشحين، التحالفات المحلية، انتقال بعض الوجوه بين الأحزاب، قوة التنظيمات الإقليمية، وطبيعة المعارك الانتخابية داخل كل دائرة.
وهنا تحديداً قد تتغير بعض التوقعات التي تبدو اليوم ثابتة.
الخلاصة:
لا توجد، في المعطيات المتاحة حالياً، مؤشرات علمية كافية تسمح بإعلان فائز مؤكد أو إعطاء نسب مئوية دقيقة لكل حزب؛ لكن القراءة الموضوعية تضع الأحرار والبام والاستقلال في قلب المنافسة على الصدارة، مع إمكانية أن تلعب العدالة والتنمية وأحزاب أخرى دوراً مهماً في إعادة توزيع المقاعد.
أما مراكش-آسفي والحوز ومراكش، فتبدو من المناطق التي تستحق متابعة خاصة، لأن نتائجها المحلية والجهوية السابقة تشير إلى منافسة حقيقية بين عدة قوى سياسية.
والأسابيع القليلة المقبلة، خصوصاً بعد إعلان الترشيحات وانطلاق الحملة، ستكون كفيلة بكشف الكثير من أسرار هذا السباق.
«موقع حقائق وآراء» يواكب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بعيداً عن التوقعات الجاهزة، وبالاعتماد على الأرقام والمعطيات الميدانية وموازين القوى داخل كل دائرة.
فتابعونا،المزيد افضل ومليىء بالمفاجئات.




