نحن نعيش في عالم رقمي: أموالنا ووثائقنا وتذاكر سفرنا وحساباتنا البنكية أصبحت في الهاتف، لكننا عندما نصل إلى الانتخابات ما زلنا نعود إلى الورقة والصندوق. فهل يمكن إعادة التفكير في طريقة الاقتراع، دون المساس بجوهر الديمقراطية وضماناتها؟ السؤال ليس: هل الورقة أفضل أم الشاشة؟ بل: ما الذي يمكن أن تضيفه التكنولوجيا للعملية الانتخابية دون أن تضعف نزاهتها وسريتها وقابلية التحقق منها؟ في المغرب، ما تزال عملية الاقتراع مؤطرة بالتصويت السري داخل المعزل واستعمال ورقة التصويت الفريدة، وفق القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب بصيغته المعدلة، كما صدر في أبريل 2026 مرسوم جديد يتعلق بشكل ومضمون ورقة التصويت الفردية. فالورقة، رغم بساطتها، تظل وسيلة مادية يمكن رؤيتها وعدّها وفحصها، لكنها ليست خالية من احتمالات الخطأ أو التلف أو صعوبات التدبير. إستونيا تقدم نموذجاً مختلفاً. فمنذ 2005 تعتمد التصويت عبر الإنترنت إلى جانب التصويت الحضوري، مع وسائل هوية رقمية وآليات للتحقق، مع الاحتفاظ بالتصويت التقليدي. بل يستطيع الناخب، وفق القواعد المعمول بها، إعادة التصويت إلكترونياً، ويمكن للتصويت الورقي أن يلغي التصويت الإلكتروني السابق. وهكذا لم تستبدل التكنولوجيا النظام القديم، وإنما أضيفت إليه كطبقة جديدة. أما سويسرا فتقدم درساً آخر: فقد أوقفت تجارب التصويت الإلكتروني سنة 2019 بسبب إشكالات أمنية، ثم استأنفتها في يونيو 2023 في ثلاثة كانتونات ضمن إطار تجريبي وقانوني محدد. وتبرز التجربة أن الديمقراطية تستطيع أن تجرب وتتراجع وتعيد الاختبار، فالتراجع عن مشروع بعد اكتشاف ثغرة ليس بالضرورة فشلاً، بل قد يكون وسيلة لحماية العملية الانتخابية. وتؤكد دراسة حديثة لـ International IDEA حول التصويت الإلكتروني أن التجارب الدولية ليست في اتجاه واحد؛ فهناك دول اعتمدته، وأخرى أوقفته أو أعادت تجربته، ودول لا تزال تدرسه. كما أن نجاحه لا يتوقف على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط بالإطار القانوني، وقدرة المؤسسات، وتثقيف الناخبين، والثقة العامة. لكن المشكلة الأكثر حساسية لا تتعلق بالاختراق الإلكتروني فقط، بل بحرية الناخب. ففي مكتب الاقتراع توجد بيئة منظمة تحمي سرية الاختيار، بينما قد يصوت المواطن إلكترونياً من منزله في وجود فرد من أسرته أو رب عمله أو شخص آخر يمكن أن يؤثر في اختياره. وهنا قد تحمي التكنولوجيا الصوت من القرصنة، لكنها لا تستطيع بالضرورة حماية الناخب من الإنسان الموجود بجانبه. لذلك ربما لا يكون من الحكمة أن تبدأ الرقمنة من صندوق الاقتراع نفسه. يمكن أن تبدأ بالمعلومات الرسمية، والبرامج الانتخابية، ومعطيات المرشحين، والوثائق، والإجراءات الإدارية، والتواصل مع المؤسسات، وبعض مراحل العملية الانتخابية، قبل التفكير، بعد سنوات من الاختبار والتدقيق، في رقمنة التصويت ذاته. والهدف لا ينبغي أن يكون انتخابات «ذكية» لمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي أو البلوك تشين، وإنما انتخابات قابلة للتحقق. فالمواطن والمراقب والمؤسسات المختصة يجب أن يستطيعوا التأكد، بصورة معقولة، من أن العملية تمت كما ينبغي. كما يجب ألا تتحول الرقمنة إلى وسيلة إقصاء. فهناك كبار السن، وضعف الاتصال في بعض المناطق، ومن لا يملكون أجهزة مناسبة، ومن يفضلون التصويت الحضوري. لذلك، إذا دخل التصويت الإلكتروني يوماً إلى النظام المغربي، فقد يكون من الأنسب أن يكون وسيلة إضافية لا بديلاً وحيداً عن التصويت التقليدي. إن إعادة التفكير في الانتخابات لا تعني رفض الورقة ولا تقديس التكنولوجيا. فالتجربة الدولية تقول إن الدراسة ليست اعتماداً، والتجربة ليست التزاماً نهائياً، والرقمنة ليست تقدماً تلقائياً. ربما تكون الديمقراطية الناضجة هي التي تستطيع أن تقول: جربنا، اختبرنا، اكتشفنا مشكلة، توقفنا، أصلحناها، ثم جربنا من جديد. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل نستطيع أن نجعل الانتخابات رقمية؟ بل: كيف نصنع انتخابات أكثر حداثة، من دون أن نجعل الديمقراطية نفسها أقل إنسانية؟