طاحونة التفاهة لا تتوقف عن الدوران، ففي كل جمعة تخرج علينا إحدى أيقونات البؤس الرقمي لتتحفنا بصلفها المتأنق، شاكية بلغة ممتلئة بالتأفف والازدراء صلاة الناس في الشارع أمام كراجها المحترم، كأن المصلين الذين اقتطعوا دقائق معدودات من وقتهم للتعبد قد اعتدوا على ملكيتها الفكرية أو قطعوا عليها خطة إنقاذ البشرية.
تجلس هذه الكائنات خلف الشاشات، تمارس دور ضحية السكينة العامة، وتتراشق بالمصطلحات الخاوية لمهاجمة مظاهر تدين بسيط يعمر الأفئدة قبل الأزقة، تناست أن الشارع والمصلى والتاريخ أكبر من كراجها ومن عقديتها النفسية المستحكمة، لكنها الوصفة السحرية المعتادة:
هجوم رخيص على الثوابت، وصراخ مفتعل في وجه حركة الحياة العادية، عل الخوارزميات ترحم نكرتها وتمنحها بضع مئات من المتابعات الضالة
البؤس هو مهنة يتقنها أناس يبنون أمجادهم على التطفل واقتطاع أجزاء من الضوء العابر، فتراهم يتحركون ككائنات ليلية خرجت توا من شقوق الهامش لتمارس هواية النباح المأجور، يستقوون بالضجيج لأن الفراغ هو مقومهم الوحيد، ويصنعون من التفاهة قلادة يتزينون بها أمام شاشات تتغذى على الفضول الرخيص، حيث يتحول المهرج في زمن الانحدار إلى فيلسوف والمفلس فكريا إلى صاحب قضية، بينما الحقيقة البسيطة هي أن كل هذا الاستعراض ليس سوى صراخ نملة تحاول إقناع الفيل بأنها تهز الأرض تحت قدميه.
تراهم يتطاولون على الجبال بقامات من قش، يظنون أن بصاقهم نحو السماء سينبت لهم هيبة، بينما تسقط القطرات دوما على وجوههم لتفضح صغر حجمهم وشدة بؤسهم، يقتاتون على غضب الناس ويثيرون الزوابع في فنجان ثقيل من اللاشيء، لأنهم يعرفون أن التجاهل بالنسبة لهم هو الإعدام الفعلي، وسلبهم الانتباه يعيدهم فورا إلى أحجامهم الطبيعية كذرات غبار تائهة في مجرة لا تشعر بوجودها، أحدهم يهاجم تاريخا صامدا لقرون كمن يحاول ثقب جدار برلين بدبوس شعر، والآخر يمارس الأستذة أو الاستاذيةوهو لا يملك حتى أبجدية الفكر، كأننا في سيرك مفتوح تكون فيه المهارة الوحيدة المطلوبة هي القدرة على إخراج اللسان بلا خجل.
المفارقة المؤلمة ليست في وجود هؤلاء الأقزام، فالطبيعة تعودت على إنجاب الطفيليات على هامش الشجر الباسق، لكن المفارقة تكمن فيمن يتبرع بدفع ثمن التذكرة لمشاهدة السيرك، ويرد على الشتيمة بشتيمة ليمنح المهرج ما كان يحلم به من خلود مؤقت، ينسى هؤلاء أن القافلة حين تمر لا تنتظر اعتذارا من الكلاب، وأن التاريخ لم يكتب يوما باستعارات الكوميديا السوداء التي يمارسها بؤساء العصر، فالأفكار الراسخة والهويات الصلبة تنام ملء جفونها، بينما يتطاحن الصغار في قاع الفراغ للظفر بلقمة انتباه لن تسد رمق جوعهم الفكري و عقدة النقص التي تطارد أرواحهم المأزومة