يجد الاقتصاد المغربي نفسه اليوم أمام تحدٍ وفرصة تاريخيين تفرضانهما موجة الذكاء الاصطناعي المتصاعدة عالميا،فبينما يعد الذكاء الاصطناعي قاطرة لزيادة الإنتاجية وإحداث قفزة نوعية في الخدمات، يطرح في الوقت ذاته أسئلة وجودية حول مستقبل ملايين الوظائف، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المهام الروتينية والمتكررة
إن الاستثمار المغربي الأخير في البنية التحتية الرقمية، وتوسع قطاعات مثل “الأوفشورينغ” (الترحيل) وخدمات تكنولوجيا المعلومات، يجعله في موقع حرج، فمن ناحية، يمتلك المغرب قاعدة شبابية متعلمة يمكن تدريبها على أدوات الذكاء الاصطناعي، ومن ناحية أخرى، تواجه قطاعات حيوية مثل مراكز الاتصال وإدخال البيانات ضغطاهائلا من أتمتة المهام عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي
التحدي هنا يكمن في تحويل الوظائف المهددة إلى وظائف مساندة أو إشرافية تتطلب مهارات تحليلية وتفاعلية يصعب على الآلة محاكاتها، على المستوى الاستراتيجي، يجب على مراكز التكوين المهني والجامعات المغربية أن تتحول من مجرد تزويد سوق العمل بالشهادات إلى مختبرات للإبداع في الذكاء الاصطناعي والتخصصات المجاورة (مثل علم البيانات، الأمن السيبراني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي)
هذا يتطلب ضخ استثمارات ضخمة في تدريب “المعلمين” وإدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية نفسها، لخلق جيل يساهم في تصميمها وتطويرها بما يتناسب مع السياق الثقافي والاقتصادي المغربي
و يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون نعمة أو نقمة. في المغرب، تحدد الإجابة بقدرة صانعي القرار على تبني سياسة استباقية جريئة تضمن الانتقال العادل من اقتصاد يعتمد على الأيدي العاملة إلى اقتصاد مبني على المعرفة، إن نجاح هذا التحول سيعتمد على مدى قدرتنا على خلق بيئة عمل ترحب بالآلة كشريك ذكي يحرر الإنسان للتفكير والإبداع، بدلا من أن يكون بديلاً عنه