spot_img

ذات صلة

جمع

الإيمان كمنهج لتفكيك سجون الشهوة والمظاهر

** مصطفى الابيض خلف "ستار التدين الظاهري"، تكمن فلسفة عميقة...

قراءة في جغرافيا النسيان من الحوز إلى القصر الكبير

**مصطفى الابيض
لم تعد فيضانات الشمال والقصر الكبير مجرد نكبة مناخية يمكن رصدها بمقاييس التساقطات المطرية، بل تحولت إلى “فضيحة أخلاقية” تعري وجه الجمود الذي يلف حكومة “السي أخنوش العظيم”، ففي الوقت الذي أصبحت فيه مدينة القصر الكبير “مدينة أشباح” بعد أن استباحتها المياه وأجلي سكانها نحو المجهول، وبينما يصارع المزارعون في “لوكوس” ضياع شقائهم وسط صمت الحقول الغارقة، تبرز المفارقة الأكثر إيلاما: حضور ميداني بطولي للمؤسسات السيادية والمجتمع، مقابل غياب كامل لمن “آذانهم من عجين وقلوبهم من حجر”

إن ما يحدث اليوم في المداشر المنسية وأعالي الجبال المحاصرة بالثلوج، يضعنا أمام لوحة سريالية؛ فمن جهة، نجد الدرك الملكي بطاقمه وقسم التدخل السريع يمدون جسور الأمل عبر مروحيات لا تتوقف عن إيصال المعونات للمحاصرين، والوقاية المدنية التي لا تدخر وسعا في العمل جنبا إلى جنب مع السلطات المحلية والقوات المساعدة، ومن جهة أخرى، نجد مجتمعا مغربيا ينضح بأخلاق المؤمنين، حيث يفتح المواطنون بيوتهم بالمجان وبأثمان رمزية لإيواء إخوانهم المنكوبين، هذا التلاحم الميداني هو الذي يحفظ ماء وجه الوطن اليوم، لولا هذا التدخل الذي يعوض الفراغ المهول الذي تركته “حكومة الكارثة”

وفي المقابل، نجد وزراء هذه الحكومة الموقرة وبرلمانييها، الذين يكتالون على هموم الناس وآلامهم، غائبين عن المشهد تماما، وكأن الأزمة تقع في قارة أخرى، هؤلاء الذين لا يظهرون إلا أمام الكاميرات في العاصمة والمدن الكبرى، يفتحون “أفواههم ودلاقشهم” للإعلان عن “منتوجات تجميلية” أو مشاريع استهلاكية تافهة، بينما يغرق النازحون في صمتهم

إنه استهتار سياسي غير مسبوق؛ فبدلا من أن نرى الوزراء في الخنادق الطينية بجانب المواطنين الذين يعملون بوسائلهم الخاصة لحصر المياه، نراهم منشغلين بترميم صورتهم الإعلامية في صالونات الرباط المكيفة، غير مكترثين بتلك الصرخات التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي لمغاربة يشعرون بأنهم “منسيون” ومغيبون من الأجندة الرسمية

إن هذه الأزمة كشفت أن “أخلاق المؤمن” تتجلى في الميدان، في المداشر والقرى وبين أيادي رجال الإنقاذ، وليست هناك في كراسي الوزارات التي تفتقر للحس الإنساني. إن استمرار هذا الجمود الحكومي أمام توالي المآسي من زلزال الحوز إلى فيضانات آسفي وصولاً إلى نكبة الشمال الحالية يؤكد أننا أمام مسؤولين يبرعون فقط في “الاستعراض” ويجهلون لغة الإغاثة. إن التاريخ لن يذكر هذه الحكومة ببرامجها الورقية، بل سيذكرها بذاك “القلب الحجري” الذي لم يهتز لأنين طفل يحاصره البرد، أو لفلاح رأى محصول عمره يغرق، بينما وزراء الغفلة يكتفون بفتح “دلاقشهم” لبيع الأوهام

spot_imgspot_img