spot_img

ذات صلة

جمع

الإيمان كمنهج لتفكيك سجون الشهوة والمظاهر

** مصطفى الابيض خلف "ستار التدين الظاهري"، تكمن فلسفة عميقة...

قراءة في فلسفة “الاختلاف” داخل الصالون الرمضاني للمحامين الشباب

** مصطفى الأبيض بإرادة حرة تسعى لتنوير الفضاء العمومي، نظم...

تأملات من وحي الصيام

**أمينة ابوالغنائم مالفرق بين الجن والشياطين وإبليس في القرآن الكريم؟! ومن...

مراكش: عبق الزاوية وأريج الملحون في ليلة الوفاء للحاج محمد البوعمري

** مصطفى الابيض

في ليلة مراكشية تعانق فيها عبق التاريخ مع طيب الوفاء، احتفت جمعية “تراثيات مراكش” برئاسة الدكتور سليمان الجدي، بهامة من هامات المدينة السبعة، وسليل الدوحة البوعمرية المباركة، الحاج محمد بن العباس القسطلي البوعمري، هذا التكريم الذي احتضنه بيت الدكتور شكيب بنفضيل مساء السبت 17 يناير الجاري، كان استحضارا حياًلمفهوم “الرجل الصالح” في الذاكرة الشعبية المراكشية، حيث يمتزج العمل الاجتماعي بالنفحة الروحية التي تستمد جذورها من إرث الزاوية البوعمرية العريقة

لقد استطاع المحتفى به أن يجسد في مساره الطويل تلك الوسطية التي تجمع بين الانفتاح الثقافي كعضو فاعل في “جمعية عبد الله الشليح لهواة الملحون”، وبين الانضباط الأخلاقي الذي تفرضه مكانة البيت الذي نبت فيه؛ فكان كما وصفه الحاضرون “ركننا شديدا” يستند إليه عشاق التراث، ونموذجا فريدا في “الفتوة” المراكشية التي تجعل من الكرم دينا ومن نبل الأخلاق مذهبا،  إن الحضور الوازن لثلة من الأدباء والمثقفين والصناع التقليديين لم يكن إلا شهادة حية على محبة قذفها الله في قلوب العباد، مصداقا للبعد الديني الذي يرى في تكريم أهل الفضل تكريما للقيم التي يحملونها، وامتثالا للأمر الرباني بالاعتراف بالإحسان، فالحاج البوعمري لم يكتفي بكونه حافظا للتراث، بل كان “محسنا” بمعناه الروحي العميق، يده ممدودة للخير بصمت، وحضوره في المحافل الاجتماعية لم يكن طلبا لوجاهة، بل أداء لأمانة النسب الشريف الذي يفرض على صاحبه أن يكون ملاذا للناس

ولعل أجمل ما ميز هذه الاحتفالية هو ذلك التناغم الوجداني الذي أحدثه جوق جمعية “عبد الله الشليح” برئاسة الدكتور عبد الجليل الكريفة؛ حيث تحولت قصائد الملحون بأوزانها وقوافيها إلى تراتيل شكر، ترفع الثناء من حضرة الآدمي إلى حضرة الخالق، فبين “القياس” و”الحربة”، استشعر الحاضرون أن تراث مراكش ليس مجرد فولكلور، بل هو روح تسري في أوصال رجالاتها، وأن الحاج محمد البوعمري هو أحد حراس هذه الروح، الذي عرف كيف يحول العمل الجمعوي إلى عبادة، والنشاط الثقافي إلى صلة رحم مع هوية المدينة العتيقة، ليختتم الحفل بفيض من الدعاء والاعتراف برجل وهب حياته لخدمة “البهجة” بمعناها الوجداني السامي، وبنى جسرا متينا بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل.

spot_imgspot_img