spot_img

ذات صلة

جمع

التربية قبل التعليم… شهادة من قلب الميدان

** د.السعيد أخي : بعد سنوات طويلة قضيتها في ميدان...

التربية قبل التعليم… شهادة من قلب الميدان

** د.السعيد أخي :

بعد سنوات طويلة قضيتها في ميدان التربية والتعليم، بين الأقسام الدراسية والأنشطة المدرسية، وبين طلبة الجامعة، خرجت بقناعة راسخة مفادها أن مشكلتنا اليوم ليست في نقص العلم أو المعرفة، او حتى المهارات، بل في الحاجة الملحة إلى التربية نعم التربية بمفهومها الإنساني والحداثي،
لقد شهد العالم تطوراً هائلاً في وسائل التعلم والمعرفة، وأصبحت المعلومة متاحة للجميع بضغطة زر، ودون عناء كبير، او سفر مرهق، غير أن ما يثير القلق هو التراجع الملحوظ في منظومة القيم والسلوك داخل المجتمع عموماً، وداخل المؤسسات التعليمية و الجامعية، على وجه الخصوص. فكم من تلميذ او طالب متفوق دراسياً، لكنه يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام والانضباط والمسؤولية؟ وكم من شهادة عليا لم تمنع صاحبها من السقوط في التعصب أو الأنانية أو غياب الحس الإنساني؟
إن المدرسة المغربية، مثلها مثل باقي المؤسسات التربوية، لا ينبغي أن تتحول إلى فضاء لتلقين الدروس وحصد النقط فقط، بل يجب أن تبقى مصنعاً حقيقياً للإنسان المواطن، الذي يجمع بين المعرفة والأخلاق. فالعلم دون تربية قد ينتج عقلاً نبها قادرا على العطاء والبذل، لكنه لا يضمن بالضرورة إنساناً صالحاً ومتوازناً.
لقد أصبح المدرس اليوم لا يواجه فقط تحديات التحصيل الدراسي، بل يجد نفسه مطالباً أيضاً بتصحيح سلوكيات، وترسيخ قيم نبيلة، ومعالجة اختلالات تربوية كان يفترض أن تبدأ داخل الأسرة والشارع والمجتمع ككل. وهنا تبرز أهمية التكامل بين البيت والمدرسة والإعلام والمؤسسات المختلفة في بناء شخصية الناشئة.
إن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينجح عبر تغيير المناهج والمقررات وحدها، ولا عبر إدخال التكنولوجيا والرقمنة فقط، بل يحتاج قبل كل شيء إلى مشروع تربوي أخلاقي يعيد الاعتبار لقيم الاحترام، والانضباط، والتسامح، والعمل الجماعي، وحب الوطن.
فالأمم لا تبنى بالعلم وحده بل تبنى حين يقترن العلم بالتربية، والمعرفة بالأخلاق، والنجاح بالقيم الإنسانية النبيلة. وهذه ليست مجرد خلاصة نظرية، بل شهادة صادقة من قلب الميدان بعد ردح من الزمن في خدمة التربية والتعليم

spot_imgspot_img