في ليلة قنيطرية غسلتها أمواج “سبو” بعبير الشغف، وفي غمرة الابتهاج الوطني بذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب واليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، شرعت منصة مهرجان القنيطرة الوطني للموروث الغيواني أبوابها لتستقبل نفحة تراثية قادمة من تضاريس “قلعة السراغنة” الشامخة هناك، وتحت شعار حالم يحمل عنوان “الأغنية الغيوانية… أمس مزدهر ومستقبل مشرق”، كانت مجموعة “جيل السلام” على موعد مع التاريخ، لتراود الكلمة الزجلية عن أسرارها، ولتخطف الأبصار والقلوب في تظاهرة فنية امتدت على مدار أيام متوهجة، معيدة إلى الأذهان العهد الذهبي لزمن الغيوان الإنسي والجمالي الباذخ
وقوف “جيل السلام” على المنصة أعطى طقسا استحضاريا فنيا بامتياز، تماهت فيه الأرواح مع صرخات “البانجو” وهدير “الهجهوج” ورنات “التعريجة” الساخنة، لقد نسجت المجموعة السرغينية سيمفونية من كلماتها وألحانها الخاصة، فجاءت الأغاني حبلى ببنات أفكار تنهل من النبع الصوفي والاجتماعي العتيق، وترقى بالذوق في سماوات التعبير الإنساني الرفيع هذا العرض الفني الآسر فجر شلالات من التصفيق الحار في أوساط الجماهير الغفيرة التي هزّها الشوق إلى الكلمة الموزونة واللحن الثائر النبيل، مشيدة بقدرة هؤلاء الشباب على الموازنة الدقيقة بين أصالة الجذور ومرونة التجديد المعاصر، مؤكدين أن الشعلة الغيوانية لم تنطفئ، بل تسلمتها أياد شابة تفك خيوط الإبداع المتشابكة باحترافية عالية
هذا التوهج الاستثنائي، دفع برئيس جمعية “لملاك فيزيون” إلى الإدلاء بتصريح مفعم بالاعتزاز، أكد فيه أن مجموعة “جيل السلام” لم تقدم مجرد سهرة، بل أبانت عن نضج واحترافية عالية تفوق سنوات عمرها الفني، محلقةً فوق المنصة بحضور كاريزمي يعكس شغفاً صوفياً بالفن الغيواني والتزاما وجودياً بحماية هذا التراث اللامادي من الاندثار إن هذه المشاركة المتميزة تأتي لتكرس الجهود الحثيثة الرامية إلى تثمين الذاكرة الثقافية المغربية، وضخ دماء جديدة في شرايين الأغنية الغيوانية، لتظل دائماً كما كانت: مرآة عاكسة لآلام المجتمع وآماله، وصوتاً نابضاً بالقيم الإنسانية والجمالية التي ترتفع بالوطن إلى أعلى مراتب العلو الثقافي.