** مصطفى الأبيض
في ليلة لم تكن كغيرها، وتحت جنح الظلام المفاجئ، تحولت الأنفاس الوديعة في حي “عين النقبي” العتيق بفاس إلى صرخات مخنوقة تحت الأنقاض، إثر تهاوي عمارة سكنية من ستة طوابق كأوراق الخريف في لمحة بصر، لتخلف وراءها ركاما من الإسمنت الممزوج بدموع الفقدان، وحصيلة ثقيلة من الضحايا والمصابين صدمت الرأي العام المحلي والوطني
وتجسد الصور القادمة من مكان الحادث فظاعة المشهد وجسامة الفاجعة، حيث تحول الحي الشعبي في دقائق معدودات إلى ساحة سباق ضد الوقت وضد الفناء؛ جرافات تنهش الركام، ورجال الوقاية المدنية بخوذاتهم الحمراء يصارعون أطنان الخرسانة بأيد عارية وبآلياتهم تارة أخرى لاستخراج الناجين، بينما يراقب شباب الجوار بقلوب مكلومة وعيون شاخصة، يحدوهم أمل واهن في سماع أنفاسٍ لا تزال تقاوم الموت أسفل الأنقاض
لكن، وراء هذا المشهد التضامني البطولي لرجال الإنقاذ والمواطنين، تبرز الأسئلة الحارقة التي لا ترحم وتطالب بوضع هذه المأساة في سياقها التاريخي؛ فالسقوط المروع ل بناية بهذا الحجم ليس مجرد “حادث عرضي” يمر مرور الكرام، بل هو زلزال بشري يسائل الضمائر ويفتح الباب على مصراعيه لمطالبة حازمة بالمحاسبة حول مدى احترام معايير السلامة، وجودة مواد البناء، ودور لجان المراقبة والترخيص التي غابت أو غُيبت حتى وقعت الواقعة
وأمام هذا المصاب الجلل الذي تعجز الكلمات عن استيعاب قسوته، نتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة لعائلات الضحايا المكلومة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد المفقودين بواسع رحمته، ويمن على المصابين بالشفاء العاجل، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، في وقت ستبقى فيه فاجعة “عين النقبي” وصمة عار محفورة في تاريخ مدينة فاس، تذكر دائماً بأن الغش والإهمال حين يمران دون عقاب، يتحولان إلى مقابر إسمنتية تبتلع أرواح الأبرياء





