**مصطفى الابيض
تتحول خشبة المسرح في العرض الجديد “بلاصتي” إلى ساحة محاكمة علنية لواقع يعيد صياغة الكائن البشري وفق مقاييسه القاسية، مقدما تجربة درامية كاشفة تغوص بعمق في التنايات المنسية للذات الإنسانية،والأليم بين وميض الطموح الفكري والجمالي المتمثل في الفن والمعرفة، وبين ثقل المهن الهامشية التي فرضت قسرا على شخوص العرض، فغدت كأثواب ضيقة لا تشبه أجسادهم ولا تطلعاتهم، إننا أمام تشريح تراجيدي لمفهوم الاغتراب داخل الوطن، حيث لا يعود المغترب هو من غادر الحدود الجغرافية، لكن هو ذاك الذي يقف في قلب مدينته ويشعر أن مساحته الإنسانية تتقلص، وأن “بلاصته” المفترضة قد سرقت منه أو تم استبدالها برصيف بارد للمطاردة المعيشية واللاوعي، مموها الفواصل التقليدية بين الواقع العيني والمنطقة الرمادية للرؤى والكوابيس، هذا التداخل النفسي يضع المتفرج في مواجهة حتمية مع تساؤلات بنيوية حارقة حول ماهية الحرية الفردية وجدواها عندما تصطدم بجدار الحتمية الاجتماعية؛ هل الكرامة الإنسانية مجرد شعار مؤجل، أم أنها استحقاق يومي يُسحق تحت عجلات الآلة المادية؟ وكيف يمكن للفنان أو المثقف أو الحالم أن يحافظ على اتزانه النفسي في بيئة تحول وعيه إلى لعنة وصوته إلى صدى معزول؟ المسرحية، في عمقها الإنساني، تطرح معضلة “الوجود والماهية” في سياق معاصر، متسائلة إن كان هذا الكائن المهزوم على الخشبة هو نتاج خياراته الخاطئة، أم أنه ضحية هندسة مسبقة لواقع لم يستشره في وضع قواعد اللعبة
وتنسحب خيوط العرض نحو نهاية فلسفية مشبعة بالشجن والدلالات السوداوية، حيث تتبدى الحياة في أبهى تجلياتها العبثية كمسرحية كتبت نهايتها بالفشل سلفا؛ فالإنسان هنا ليس سوى ممثل طارئ، وجد نفسه مجبرا على الوقوف تحت أضواء ركح غريب، مرتديا قناع دور لم يختر تفاصيله، ومطالبا بترديد نصوص وحوارات لا يملك أدنى سلطة لتعديلها أو حذف هوامشها،هذه القفلة القدرية الصادمة تنقل “بلاصتي” من مجرد شكوى اجتماعية عابرة إلى مانيفستو كوني حول العجز البشري في مواجهة الأقدار الاجتماعية والوجودية، تاركة القارئ والمشاهد أمام تساؤل بنيوي ممتد: هل ثمة جدوى من الاستمرار في تمثيل هذا الدور، أم أن البطولة الحقيقية تكمن في القدرة على إفساد النص وإعلان التمرد على المخرج الخفي؟





