spot_img

ذات صلة

جمع

المنطقة الأمنية لقلعة السراغنة تحتفي بالذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني

** د.السعيد أخي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن...

** مراكش// يوسف بوحجلة لم تعد الهوامش في المشهد السياسي...

بين بيزنس الرفض ومذلة الوساطة: كيف تبتلع السفارات جيوب المغاربة وتصادر كرامة علمائهم بجرة قلم؟

** مصطفى الابيض

لم يكن رفض القنصلية الإيطالية بالدار البيضاء منح تأشيرة سفر علمية للأستاذ الباحث زكرياء أكضيض مجرد كبوة بيروقراطية عابرة، لكن كان مشهدا كوميديا أسود ينتمي بامتياز إلى مسرح العبث الدبلوماسي؛ حيث يبدو أن آلات الفرز القنصلية الأوروبية قد أصيبت بعمى ألوان حاد، يخلط بين مِحراب الأستاذية الجامعية وقوارب الهجرة السرية!

فالأستاذ الباحث بسلك القانون والعلوم الاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش، الذي كان يستعد لحمل حقيبته الفكرية صوب مدينة بيرغامو الإيطالية لتفكيك المعضلات المعرفية في مؤتمر دولي يناقش سخرية “أخلاقيات الكتابة في السوسيولوجيا”، وضع فجأة في خانة “الحراق المحتمل” الذي ينتظر تأشيرة “شنغن” ليرتمي في أحضان شواطئ الموت، والمثير للضحك الباكي في صك الرفض، هو تلك التوليفة السريالية التي عللت بها القنصلية قرارها المجحف، بحجة أن الدعوة “لم تصدر عن مركز بحثي إيطالي”، وكأن المعرفة الإنسانية والجمعيات الدولية العابرة للقارات تحتاج إلى تصريح إقامة محلي أو صك غفران جيو-سياسي لتكتسب شرعيتها؛ متناسين عن عمد أن الرجل كان مدججا بترخيص سيادي صادر عن جامعة مغربية عمومية، وحجز فندقي، وتذكرة عودة تؤكد أن العقل المغربي يذهب ليعلم ويناقش ثم يعود إلى قواعده، لا ليفترش أرصفة روما بحثا عن لجوء اقتصادي

هذا النفاق الإداري والاستعلاء البنيوي الفج، يتناسى بوقاحة مذهلة الخلفية التجارية لشركات الوساطة ومكاتب القنصليات، التي تحولت إلى “آلات شفط مالية” تجني ملايين الدولارات واليورو بالعملة الصعبة من جيوب المواطنين والباحثين المغاربة على حد سواء؛ حيث يدفع الأكاديمي ثمن تأشيرته مسبقا، ويخوض ماراثونا مذلا للحصول على موعد “مقدس”، ليكون الجزاء في النهاية مصادرة أمواله ورفض ملفه بجرة قلم ومزاجية موظف خلف الزجاج

ومن المنظور الحقوقي والإنساني، يسقط هذا السلوك ورقة التوت عن كل الشعارات البراقة التي تتغنى بالاتفاقيات الدولية وحرية تنقل العقول وحوار الحضارات، ليحول المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى نص كرتوني لا يصمد أمام الهوس الأمني الأوروبي المتوجس؛ فبدلا من أن توضع القوانين في خدمة “الإنسان” وتسهيل مأمورية رجل العلم والتنوير المنوط به الارتقاء بالمجتمعات، أصبحت “الفيزا” أداة عقابية تكرس دونية النخب الفكرية في دول الجنوب، وتعامل المعلم والأستاذ والمكوّن بمنطق “المشتبه به” حتى تثبت براءته الأكاديمية

إن هذه الواقعة الفاضحةتشكل إقصاء معرفيا واعتداء سافرا على السيادة العلمية للجامعات المغربية التي تتكفل رسميا بنفقات باحثيها، وتطرح سخرية القدر هنا سؤالا حارقا على طاولة الدبلوماسية الثقافية: إلى متى سيظل الفكر المغربي تحت رحمة مقاربات أمنية تراه مجرد مشروع هجرة غير شرعية؟ وكيف يمكن الحديث عن فضاء أورومتوسطي مشترك بينما يخنق المعلم على عتبات السفارات؟

إن كرامة الأستاذ الجامعي ليست ملفا قابلا للمساومة أو الرفض العبثي، ومواجهة هذا الجشع المالي والاستخفاف الدبلوماسي تقتضي نفض غبار الصمت، وفرض شروط وساطة تحترم قيمة الوعي البشري، وتعيد لرجال التنوير هيبتهم بعيدا عن مقاربات الاستعلاء التي تفرغ شعارات الشراكة الدولية من عروقها

spot_imgspot_img