في زوايا كثيرة من مدننا وقرانا، تعمل فتيات ونساء في المقاهي لساعات طويلة بحثاً عن لقمة العيش ومساهمة في إعالة أسرهن. غير أن هذه الفئة من العاملات ما تزال تواجه أحكاماً قاسية ونظرات اجتماعية كلها إهانة ، تجعل من المهنة عبئا مضاعفا ، عبء العمل اليومي وهبء النظرة الدونية للمجتمع. فبدل أن ينظر المجتمع إلى هؤلاء العاملات باعتبارهن نساء مكافحات يخضن معركة الحياة بشرف وكرامة، يصر بعض الناس على اختزالهن في صور نمطية جائرة لا تعكس حقيقة واقعهن. والحال أن أغلب العاملات في المقاهي دخلن هذا المجال بسبب الحاجة الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وندرة فرص الشغل، والفقر الضارب اطنابه في اوساط اسرية كثيرة، فهؤلاء العاملات لا يبحثن عن الشهرة أو التميز أو مخالفة الأعراف ، بل إنها رحلة قاسية من أجل العيش. إن العمل في المقهى، شأنه شأن أي عمل آخر، يظل نشاطاً اقتصادياً مشروعاً يكفله القانون وتفرضه ضرورات الحياة
فالنادلة التي تستقبل الزبائن وتقدم الخدمات اليومية لا تختلف في جوهر دورها عن الموظفة في الإدارة أو العاملة في المصنع أو الممرضة في المستشفى. كل واحدة منهن تساهم في دورة الإنتاج والخدمات، المؤسف أن بعض الأصوات لا تزال تقيس قيمة المرأة بمكان عملها لا بجدها وأخلاقها وكفاءتها. وهي نظرة تتعارض مع روح العدالة الاجتماعية ومع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، حيث أصبحت المرأة حاضرة في مختلف القطاعات والمهن، والوظائف والصناعة والتجارة والخدمات. إن الإنصاف الحقيقي لعاملات المقاهي يقتضي الاعتراف بأن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بطبيعة المهنة، بل بصدق العمل ونزاهته. كما يقتضي توفير شروط عمل ملائمة و لائقة تحمي العاملات من الاستغلال والتحرش وسوء المعاملة، وتضمن لهن حقوقهن الاجتماعية والمهنية كاملة
لقد آن الأوان للتخلي عن الأحكام الجاهزة، والنظر إلى هؤلاء النساء بعين التقدير لا بعين الريبة. فخلف كل عاملة في مقهى قصة كفاح، وأسرة تنتظر دخلاً يسد حاجاتها، وأحلام مشروعة في حياة أفضل. ومن واجب المجتمع أن يساند هذه النماذج المكافحة، لا أن يحاكمها بسبب المهنة التي اختارتها أو اضطرتها الظروف إليها. فالعمل الشريف يظل شريفاً مهما كان مجاله، والمرأة التي تواجه صعوبات الحياة بعرق جبينها تستحق الاحترام والدعم، لأنها تقدم درساً يومياً في الصبر والمسؤولية والاعتماد على النفس.