قاومة النسيان بوعي بيئي: “جمعية النجاح” تحول مقبرة “باب أغمات” بمراكش إلى منصة للقيم الإنسانية في عاشوراءفي تقاطع فريد بين الذاكرة الروحية والتزام المواطنة
شهدت مقبرة “باب أغمات” بسيدي يوسف بن علي بمراكش، يومي 25 و26 يونيو 2026 (الموافق لـ9 و10 محرم 1448هـ)، نجاح النسخة التاسعة من الحملة السنوية الكبرى للتربية البيئية والمواطنة، التي تنظمها “جمعية النجاح للتنمية السوسيو-ثقافية والاجتماعية والبيئية” المبادرة التي تزامنت مع التدفق البشري الكثيف لطقوس عاشوراء الجنائزية، تجاوزت طابعها الخدمي العابر لتقدم نموذجا عمليا يربط قدسية المكان بنظافته وحمايته من عشوائية السلوك البشري، معلنةً أن احترام الموتى يشكل مدخلا أساسيا لترسيخ رقي الأحياء.
وقد تميزت حملة هذا العام بمقاربة تشاركية واسعة عكست تكامل الأدوار بين المجتمع المدني والفاعلين المؤسساتيين؛ حيث جرت العملية بتنسيق وثيق مع السلطات المحلية والأمنية، وبدعم مباشر من رئاسة المجلس الجماعي لمراكش، ورئاسة مجلس مقاطعة سيدي يوسف بن علي، إلى جانب التعاون الميداني لمندوبية الإنعاش الوطني والانخراط اللوجيستي لشركة “أرما” لتدبير النظافة
هذا التلاحم الميداني جسّد مفهوما متقدما للاتفاق الاجتماعي حول حماية الفضاءات المشتركة، مانحا العمل الجمعوي زخما تنظيميا كبيرا أضفى على المكان سكينة وطمأنينة ملحوظة حظيت بإشادة وتثمين واسعين من طرف الأسر والعائلات الزائرة.
ولم تقف المبادرة عند حدود الإجراءات التقنية للتنظيف المادي، بل واكبتها أبعاد فكرية وتربوية تجسدت في تنظيم ندوة حول “تكوين قدرات الشباب”، إيمانا من المنظمين بأن الاستثمار في وعي الإنسان هو الضمانة الحقيقية لاستدامة نظافة المكان. وقد تحول محيط المقبرة على مدى يومين إلى خلية تواصلية نشيطة قادها متطوعو الجمعية، معتمدين على لافتات إرشادية وتوجيهات صوتية لتبسيط قيم المواطنة، وتوزيع منشورات تحمل الشعار الفلسفي والأخلاقي للحملة: “نظافة مقابرنا من نظافة قلوبنا”، ليعاد بذلك تعريف السلوك المدني كقيمة روحية غير منفصلة عن الممارسة اليومية.
وفي تقييمه لهذا المسار التراكمي، أكد هشام الجلاد، رئيس جمعية النجاح، أن استمرارية هذه الحملة لـ9 سنوات متتالية يعد شهادة حية على نجاعة العمل المدني الهادف وقدرته على كسب رهان الثقة مع المواطنين والمسؤولين على حد سواء، موجهاً شكره الخالص لكل الشركاء والجسم الإعلامي الذي واكب الحدث،وتظل هذه التجربة النموذجية بمراكش مثالا ملهما لكيفية تحويل المناسبات الدينية والموروث الشعبي من محطات عفوية للترحم، إلى روافع حقيقية لإعادة صياغة الوعي الجماعي وتجذير قيم الوفاء للبيئة ولحرمة المقابر