** مصطفى الأبيض
حين انحاز البطل “أمين عبد الله” بجسده ليصد رصاص المراهقين على عتبات المركز الإسلامي في سان دييغو بكاليفرنيا بالولايات المتحدة الامركية،كان يوقع بدمائه فصلا جديدا من فصول “فلسفة الفداء البشري”، مستدعيا في لحظة فارقة قيم الدين الحنيف التي تجعل من الدفاع عن النفس، وحفظ الأرواح، والذود عن الضعفاء أسمى مراتب التدين والجهاد السلمي الإنساني
من يقرأ بين ثنايا الواقعة ، يدرك أن تلك الرصاصات التي اخترقت جسد الحارس الأب لثمانية أطفال، كانت امتحانا علنيا لمفاهيم السكينة واليقين التي خطها الراحل في تدوينته الأخيرة؛ حيث تهاوت حسابات الأرض المادية أمام رغبة عارمة في معانقة سماء “حسن الخاتمة”
لكن، خلف هذا الستار الروحي المتسامي والملحمي، نكون ملزمين لقراءة الواقعة في الغوص بين السطور لتفكيك طلاسم وخيوطها المقلقة التي تجاوزت في أبعادها حدود الجريمة المنفصلة، إن الهجوم الذي نفذه مراهقون أمريكيون في وضح النهار (11:45 صباحا) حسب ماتدواله الاعلام الامريكي، يضع استفهامات استراتيجية كبرى حول “بنية الكراهية” وتفريخ الإرهاب الأبيض داخل المجتمعات الغربية
فالجناة هنا ليسوا خلايا منظمة عابرة للقارات، بل هم “نتاج محلي” لخطاب إعلامي وسياسي مسموم يغذي عقول الناشئة بالعداء لكل ما هو مسلم، هذا الاختراق الأمني لساحة مدرسة تعج بالأطفال الأبرياء يكشف عن فجوة هائلة في بروتوكولات الحماية والوقاية الأمنية التي تحيط بالمؤسسات الإسلامية في أمريكا، مقارنة بغيرها من المراكز الدينية والمدنية
وتكتسب هذه التضحية عمقا فلسفيا نادرا حين نربط بين المشهد الأخير للبطولة وبين الوعي الباطني الذي كان يسكن مدارك العقل وخوالج النفس للشهيد، فالتدقيق في تدوينته الأخيرة المترقرقة بالزهد واليقين يكشف أننا أمام روح كانت تتأهب، بوعي أو بدون وعي، لمعانقة مصيرها الأسمى، في مفهومه الخاص للنجاح، تهاوت الماديات والسمعة الطيبة أمام “الروح النقية”، وكأنه كان يخط بيمينه بيان رحيله، مستدعيا التبشير الإلهي بالجنة والسكينة.
لقد تمنى حسن الخاتمة، وجاءته الاستجابة على هيئة ملحمة بطولية صاغها برصاصتين في الصدر خارج المدخل الرئيسي للمركز، مصداقا ليقينه الباطني الذي تمنى فيه أن يلقى الله بلا ذنوب
إن تصديه ومنعه لمجزرة مؤكدة كان ليروح ضحيتها أكثر من 150 طفلا وموظفا، لا يجب أن يمر كحدث بطولي بطعم العزاء والدموع؛ بل هو صرخة استراتيجية مدوية تدعو إلى إعادة قراءة واقع المغتربين والمسلمين في الغرب بشكل عام، لقد قدم هذا الحارس الأنموذج الحقيقي للإسلام كقوة سلام حية تفتدي الآخرين بالروح والدم إرضاء لبارئها، مفندا كل الصور النمطية المشوهة والمزاعم التي تدعي ان الاسلام دين ارهاب والآن، يقف صناع القرار والمجتمع الدولي أمام حقيقة عارية: إن الإشادات الرسمية ووصف قائد الشرطة للراحل بـ”البطل” لا تكفي، ما لم تترجم إلى آليات استراتيجية صارمة تجفف منابع الفكر المتطرف، وتضمن الحماية الأمنية الكاملة للمراكز الإسلامية، كي لا تظل دماء العارفين والزاهدين هي خط الدفاع الوحيد والأخير ضد أحقاد العالم الآخذ في التوحش
Post Views: 5