spot_img

ذات صلة

جمع

قانون الغباء المعتمدة: حين تبنى “القصاع” وتهدم العقول

- مصطفى الابيض في مجتمعات الاستعراض والفرجة و البهرجة ،...

في مملكة الرماد

– المصطفى بعدو غريب أمرك يا دنيا.. لما تعاندني خطاك وتقطعين...

نشرة برتقالية.. “الشرقي” يلهب أقاليم المملكة وعواصف رملية تستنفر الجنوب

** هيئة التحرير  دخلت الأجواء المناخية بالمملكة خط الإنذار المتقدم،...

قانون الغباء المعتمدة: حين تبنى “القصاع” وتهدم العقول

– مصطفى الابيض

في مجتمعات الاستعراض والفرجة و البهرجة ، يتحول البؤس إلى مسرح مفتوح، وتتحول السياسة العامة إلى هندسة للمشهد السطحي الذي يداعب الغرائز البصرية للجمهور، بينما تنخر الهشاشة العميقة بنية المجتمع، فليس غريبا، في ظل واقع محتقن، أن تستيقظ الحواضر على إيقاع طبول “أكبر قصرية رفيسة” بآسفي، المحشوة بطن من “التريد” ومئات الطيور، لتنضم هذه الاحتفالية الفولكلورية إلى كشكول “الأكبر” و”الأضخم” من كسكس وبُلغة وطاجين وطنجية ، في محاكاة فجة الانتصارات دونكيشوتية وهمية تقاس بحجم الأواني لا بعمق الاستثمار في الطاقة الرمادية في الإنسان، هذا التضخم السوسيولوجي والسلوكي في ثقافة “الأكل الجماعي الاستعراضي” يمثل، من منظور فلسفي آلية تخدير جماعي، ومحاولة بائسة لملء الفراغ التنموي ببالونات هوائية من الأرقام القياسية؛ حيث يصبح الحجم الخارجي قناعا لإخفاء القزمية البنيوية في القطاعات الاستراتيجية التي تصنع كرامة المواطن

هذا المشهد السريالي يعري المشهد السياسي وتدبير الشأن العام؛ حيث يراد للمواطن أن يبتهج بـ “أكبر بِلغة” وهو حافي القدمين من التغطية الصحية الحقيقية، وأن يفتخر بـ “أكبر وطاجين”او أكبر رفيسة وأمعاء مؤسساته الطبية خاوية من أبسط المستلزمات والخدمات التي تقيه ذل المرض، في مستشفيات عمومية تنام على أنين البؤساء الذين لا يجدون سريرا أو دواء، في الوقت الذي تهدر فيه الطاقات والأموال الطائلة والرساميل الرمزية والمادية في صناعة بهرجة إعلامية عابرة تتبخر بمجرد جفاف الصحون

هذا الاغتراب السوسيولوجي الذي تكرسه “حكومة الكفاءات ياحسرة” يعكس انفصالا تاما عن فقه الأولويات، ويحول الفعل التدبيري إلى مجرد علاقات عامة تتقن التزييف البصري و”العكر على الخنونة” ، وتستبدل مؤشرات التنمية البشرية المتعارف عليها دوليا بمؤشرات “موسوعة غينيس” للطبخ التقليدي البهرجوي

لكن الكارثة الأعمق، والشرخ الفلسفي الأكثر إيلاما في هذه اللوحة المشوهة، يكمن في البنية التحتية للعقول؛ في منظومة تعليمية باتت تشتغل كمعامل ميكانيكية لتفريخ أمية من نوع جديد، إننا لا نتحدث هنا عن أمية الأبجدية التي يسهل محوها، بل عن “أمية وظيفية مقنعة” تصنع داخل المختبرات والمدرجات و مشاتل الجامعات بمرتبة “مجاز” و”مهندس” و”دكتور”،لقد تحول التعليم، في ظل السياسات التدجينية السابقة و الحالية، من فضاء لبناء الفكر النقدي والتساؤل الفلسفي وتفكيك الواقع، إلى مؤسسات لتلقين الركود وتصدير أفواج من “المشللين ذهنيا وعقليا”، تخرج المؤسسات التعليمية شبابا يحملون أرفع الشواهد الكرتونية، لكنهم عاجزون عن صياغة موقف، أو إبداع حل أو حتى التمرد الفكري على بؤس واقعهم؛ كائنات علمية تملك تقنية التخصص وتفتقر لروح الوعي، مما يجعلها أدوات طيعة في سوق الاستهلاك والتوجيه.

إن النتيجة الحتمية لهذه التوليفة العجيبة هي بطون تملأ بالاستعراض وعقول تفرغ بالتجهيل، هي إعادة إنتاج البؤس وتخليده، فعندما يصبح المختبر(عفوا المشتل”الجامعي مكانا لتعلم البلادة الأكاديمية المنظمة، وتصبح الكليات مجرد قاعات انتظار كبرى للبطالة أو للاندماج الأعمى في رداءة المنظومة، فإن المجتمع يفقد بوصلته التاريخية

إن حكومة الأرقام القياسية في الأواني والأزياء تدرك جيدا أن العقل النقدي هو العدو الأول لسياسات البهرجة؛ ولذلك يُترك التعليم يحتضر في غرف الإنعاش، ويترك العوام يصفقون لطن من “التريد”، في عملية مقايضة رمزية مكشوفة: خذوا الرفيسة واتركونا ندبر بؤسكم على مهل حتى يستوي، وبذلك، يظل الواقع عاريا تتساقط عنه مساحيق التجميل مع أول أزمة صحية أو سقطة معرفية، ليتأكد للجميع أن ضخامة الصحون ما هي إلا انعكاس لضمور العقول وفلسفة التدبير الإداري والسياسي والمالي وكل شيئ

المادة السابقة
spot_imgspot_img