تقرير : امينة ابوالغنائم صحافية (خريجة جامعة محمد الخامس بالرباط في علم السياسة وكيلة لائحة سابقة في الاستحقاقات الجماعية 2009 بمدينة تمارة)
مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، لا تبدو المعركة الانتخابية في المغرب مجرد سباق تقليدي بين أحزاب وبرامج، وإنما تبدو، في كثير من الدوائر، امتحاناً حقيقياً لقدرة الأحزاب على تجديد نفسها، وإقناع المواطن بأن الانتخابات ليست سوقاً للأصوات، ولا مناسبة لإعادة إنتاج الوجوه نفسها. ومع انطلاق عملية إيداع الترشيحات، بدأت تتضح ملامح الخريطة الانتخابية، لكن أسئلة كثيرة ما تزال معلقة: منها على سبيل المثال وليس الحسر؛ من يختار المرشح؟ وهل القرار يصدر فعلاً عن المؤسسات الحزبية؟ أم تفرضه أحياناً قوة الاسم والمال والنفوذ المحلي؟ المعطيات الأولية تشير إلى إيداع 702 لائحة ترشيح من طرف 27 حزباً خلال بداية العملية، مع استمرار أجل إيداع الترشيحات إلى 9 شتنبر، ولذلك فإن الصورة النهائية لم تتشكل بعد. لكن الأرقام، مهما كانت، لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم والذي هو: ما نوع المرشحين الذين سيدخلون البرلمان المقبل؟ الحزب أم «المرشح القوي»؟ في عدد من الدوائر الانتخابية، أصبحت قوة المرشح الشخصية عاملاً لا يقل أهمية عن قوة الحزب. وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق النقاش: هل يختار الحزب مرشحه لأنه يمثل مشروعه السياسي ويتمتع بالكفاءة والنزاهة والتجربة؟ أم لأنه قادر على استقطاب الأصوات؟ إذا كان المعيار الثاني هو الحاسم، فإننا نكون أمام انتخابات للأشخاص أكثر منها انتخابات للأحزاب والبرامج. والأخطر أن المرشح الذي يدخل المنافسة اعتماداً على نفوذه الشخصي قد يجد نفسه، بعد الفوز، مديناً انتخابياً لشبكته المحلية أكثر من ارتباطه بالبرنامج الذي قدمه الحزب للناخبين.
عندما يصبح المال منافساً للبرنامج
لا يمكن الحديث عن الانتخابات المغربية دون التوقف عند هاجس المال الانتخابي. ولا يعني ذلك اتهاماً مسبقاً لأي حزب أو مرشح، فالرقابة القانونية قائمة، والحسابات الانتخابية تخضع للقواعد المعمول بها. لكن السؤال السياسي يبقى مشروعاً: هل يستطيع مرشح محدود الإمكانيات أن ينافس فعلاً مرشحاً يمتلك موارد مالية وشبكة واسعة من العلاقات والنفوذ؟ إذا كانت الإجابة بالنفي في بعض الحالات، فإن الديمقراطية تكون أمام مشكلة حقيقية، لأن تكافؤ الفرص لا ينبغي أن يبقى مجرد قاعدة مكتوبة، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة انتخابية فعلية.
«القبيلة الانتخابية».. هل ما زالت حاضرة؟
في بعض المناطق، لا يزال التصويت يتأثر بعوامل اجتماعية وعائلية ومجالية. فالناخب قد لا يسأل دائماً: ما البرنامج؟ ماذا قدم المرشح؟ ماذا يستطيع أن يفعل داخل البرلمان؟ بل قد يكون السؤال أحياناً: من أي منطقة؟ ومن أي عائلة؟ ومن يعرفه؟ ومن يستطيع أن يساعده؟ وهنا تتحول الانتخابات من منافسة بين المشاريع إلى منافسة بين الشبكات الانتخابية. وهذا تحدٍّ لا يمكن للحزب وحده أن يحله، بل يحتاج إلى وعي انتخابي جديد يجعل المواطن نفسه شريكاً في إصلاح العملية الديمقراطية.
الديمقراطية داخل الحزب.. السؤال المسكوت عنه إذا كانت الأحزاب تطالب بالديمقراطية على مستوى الدولة، فمن حق المواطن أن يسأل عن مستوى الديمقراطية داخل الحزب نفسه. كيف تم اختيار وكيل اللائحة؟ هل شاركت الهياكل المحلية في الاختيار؟ هل كانت هناك منافسة داخلية حقيقية؟ هل تم احترام الكفاءات والشباب والنساء والمناضلين الذين اشتغلوا سنوات داخل الحزب؟ أم أن بعض القرارات اتخذت في دوائر ضيقة ثم قدمت للقواعد باعتبارها أمراً واقعاً؟ هذه الأسئلة لا تستهدف حزباً بعينه، وإنما تستهدف طريقة اشتغال الأحزاب السياسية عموماً. فالديمقراطية التي تبدأ داخل الحزب تكون أكثر قدرة على الدفاع عن الديمقراطية خارجه.
أين اختفى المناضل؟
من الأسئلة التي تستحق النقاش أيضاً: ماذا بقي من قيمة الانتماء الحزبي؟ لقد كان المناضل في الماضي يبني حضوره داخل التنظيم عبر سنوات من العمل والتأطير والتواصل مع المواطنين. أما اليوم، ففي بعض الحالات، يبدو أن المرشح قد يظهر عشية الانتخابات، ثم يصبح فجأة أحد أهم الأسماء داخل الحزب. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل أصبحت الانتخابات تستقطب أصحاب النفوذ أكثر مما تستقطب المناضلين؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الأحزاب مطالبة بمراجعة عميقة لآليات التزكية، حتى لا يتحول التنظيم السياسي إلى مجرد منصة انتخابية موسمية.
المرأة والشباب.. من الشعارات إلى المواقع الحقيقية
لا يكفي أن تتحدث الأحزاب عن الشباب والنساء في المؤتمرات والبرامج. فالمعيار الحقيقي هو: كم شاباً وكم امرأة منحتهم الأحزاب مواقع متقدمة وقابلة للفوز؟ فوجود اسم شاب أو امرأة في لائحة انتخابية لا يعني بالضرورة تمكينه أو تمكينها، إذا كان الترتيب الانتخابي لا يمنحه فرصة حقيقية للوصول إلى البرلمان. والمطلوب هو: تجديد فعلي للنخب، وليس مجرد تجميل للائحة.
ماذا عن الأحزاب الإصلاحية؟
وهنا نصل إلى سؤال أكثر جرأة: لماذا لا تتقارب الأحزاب التي تلتقي في مجموعة من المبادئ الإصلاحية حول برنامج مشترك؟ ليس المقصود إلغاء التعددية الحزبية أو إجبار الأحزاب على الاندماج. لكن ماذا لو اتفقت هذه القوى على «ميثاق إصلاحي» يتضمن مثلاً: إصلاح الإدارة ومحاربة الرشوة والفساد، تقوية استقلال المؤسسات، إصلاح التعليم والصحة، دعم التشغيل، حماية القدرة الشرائية، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، دعم المقاولة الوطنية، تمكين الشباب والنساء، وتطوير الديمقراطية المحلية. بعد ذلك يمكن لكل حزب أن يقدم طريقته الخاصة لتنفيذ هذه الأهداف. بهذا الشكل يصبح الاختلاف السياسي اختلافاً في الوسائل والأولويات والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد اختلاف في الشعارات.
المواطن لا يريد خطابات جديدة انما يريد نتائج ملموسة.
الناخب المغربي اليوم أكثر وعياً مما كان عليه في السابق، ولم يعد من السهل إقناعه بمجرد الشعارات. لقد أصبح يريد أن يعرف: ماذا سيفعل النائب؟ ماذا قدم الحزب عندما كان في الحكومة أو البرلمان؟ ماذا تحقق من الوعود السابقة؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم تنفذ الوعود الجديدة؟ وهذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون في قلب الحملة الانتخابية.
و تكون خلاصة القول والتقييم ان الانتخابات امتحان للأحزاب قبل أن تكون محصولا للناخب
انتخابات 2026 يمكن أن تكون فرصة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، لكنها يمكن أيضاً أن تعيد إنتاج الممارسات نفسها إذا تحولت المنافسة إلى صراع حول الأشخاص والنفوذ والمال. و المطلوب ليس فقط أن نعرف من سيفوز؟ وإنما أن نسألكيف فاز؟ ولماذا اختاره حزبه؟ وماذا قدم للناخب؟ وما البرنامج الذي يحمله للمرحلة؟ وهل يستحق فعلاً أن يكون صوت المواطنين داخل البرلمان؟ فالبرلمان المقبل لا يحتاج فقط إلى عدد أكبر من المنتخبين، وإنما يحتاج إلى نخب سياسية أكثر كفاءة، وأكثر استقلالية، وأكثر ارتباطاً بالمواطن، وأكثر قدرة على التشريع والمراقبة والمحاسبة. وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً أمام الأحزاب والمرشحين والناخبين: هل نحن أمام انتخابات لتغيير الوجوه فقط، أم أمام فرصة حقيقية لتغيير طريقة ممارسة السياسة؟ ذلك هو التحدي الحقيقي لانتخابات 23 شتنبر 2026.