هل دخلت الأحزاب المغربية مرحلة جديدة تتراجع فيها الخصومات الأيديولوجية أمام حسابات السلطة وتدبير الشأن العام؟ وهل تستطيع حكومة تقودها امرأة أن تحوّل التناقضات الحزبية إلى قوة تنفيذية، أم أن اختلاف المرجعيات سيظل قنبلة موقوتة داخل الأغلبية؟
إن المشهد السياسي الذي أفرزته انتخابات 23 شتنبر 2026 يضع المغرب أمام تجربة استثنائية، بعدما عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها. وقد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، فيما حل الاستقلال ثالثاً بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي سادساً بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً.
من صراع المرجعيات إلى تحالف المصالح؟
تكمن المفارقة في احتمال اجتماع أحزاب حملت، عبر تاريخها، تصورات متباينة للدولة والمجتمع داخل أغلبية واحدة. فالاستقلال يستند إلى مرجعية وطنية محافظة، بينما ارتبط الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية بالمدرسة اليسارية وقضايا العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات.
لكن التاريخ السياسي المغربي يحمل مفارقة أخرى: فهذه الأحزاب ليست غريبة تماماً عن العمل المشترك، إذ جمعها إطار الكتلة الديمقراطية في مراحل سابقة. لذلك، فإن اجتماعها المحتمل اليوم ليس قفزة من العداء المطلق إلى التوافق، بقدر ما هو اختبار جديد لقدرتها على تحويل التقارب التاريخي إلى مشروع حكومي قابل للتنفيذ.
وتكشف المفاوضات الجارية عن احتمال تشكيل أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بما مجموعه 207 مقاعد، وفق ما تداولته الصحافة، دون أن يعني ذلك أن الصيغة أصبحت نهائية.
لكن ما الذي يجمع هذه الأحزاب فعليا؟
هل هو اتفاق على برنامج اقتصادي واجتماعي موحد، أم ضرورة حسابية لتأمين الأغلبية وتوزيع المسؤوليات الوزارية؟ هنا يكمن السؤال الجوهري؛ فالتوافق على المقاعد أسهل من التوافق على السياسات، والتوقيع على برنامج حكومي أيسر من إقناع المواطن بنتائجه.
فإذا كانت المشاركة في الحكومة تقتضي تنازلات متبادلة، فإن التنازل عن بعض المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى تنازل عن المبادئ، ولا إلى ذريعة لتبرير الإخفاقات. والمطلوب أن يثبت الاستقلال أن مرجعيته الوطنية قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، وأن يبرهن اليسار أن دخوله إلى السلطة لن يفرغه من هويته الاجتماعية والديمقراطية.
حكومة النواعم: هل تصنع المرأة الاستثناء؟
إن قيادة فاطمة الزهراء المنصوري للحكومة تحمل دلالة تاريخية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في جنس رئيسة الحكومة، ولا في عدد النساء داخل التشكيلة الوزارية، بل في القدرة على إرساء أسلوب جديد في القيادة: الحزم في اتخاذ القرار، والشفافية في التدبير، والجرأة في محاربة تضارب المصالح، والإنصاف في توزيع ثمار التنمية.
وإذا أرادت هذه الحكومة أن تكتب اسمها في التاريخ، فعليها أن تثبت أن ما يمكن تسميته إعلامياً «حكومة النواعم» ليس مجرد صورة جذابة أو سابقة رمزية، بل تجربة في الكفاءة والإنجاز والمحاسبة، قادرة على كسب ثقة المغاربة وإبهار العالم بنتائجها.
أما موروث الحكومة المنصرمة، فهو الامتحان الأصعب.
فالحكومة الجديدة لا تبدأ من صفحة بيضاء؛ إنها ترث انتظارات اجتماعية متراكمة، وأسئلة بشأن القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم، فضلاً عن أزمة الثقة التي تعكسها العزوفات الانتخابية. ولن يكون كافياً أن تتغير الأسماء أو تتبدل مواقع الأحزاب من الأغلبية إلى المعارضة، بل ينبغي أن يتغير منطق التدبير نفسه.
وهنا ستُختبر قدرة المنصوري على إدارة التوازنات داخل أغلبية متعددة المرجعيات، حتى لا تتحول الحقائب الوزارية إلى جزر حزبية منفصلة، ولا يصبح كل وزير ممثلاً لمصالح حزبه أكثر من كونه مسؤولاً عن سياسة حكومية مشتركة.
### الخلاصة: هل تنتصر الدولة على الحسابات الحزبية؟
إن نجاح هذه التجربة لن يُقاس بعدد الأحزاب التي اجتمعت، ولا بحجم التمثيل النسائي، ولا ببلاغات التوافق، بل بما سيجده المواطن في حياته اليومية من تحسن ملموس.
فالمغاربة لا ينتظرون حكومة تتفق فيها الأحزاب على اقتسام السلطة، وإنما حكومة تتفق على مسؤولية تغيير واقعهم.
وإذا استطاعت حكومة المنصوري أن تجمع بين اختلاف المرجعيات ووحدة القرار، وبين التنافس الحزبي والالتزام الوطني، فستكون قد صنعت تحولاً سياسياً حقيقياً. أما إذا غلبت حسابات الحقائب على أولويات المواطن، فستثبت مرة أخرى أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير السياسات.
ويبقى السؤال الذي سيحسم الحكم على هذه التجربة: هل ستكون حكومة النواعم بداية عهد جديد في الأداء الحكومي، أم مجرد عنوان جديد لمعادلات سياسية قديمة؟