spot_img

ذات صلة

جمع

مرآة عمر: عندما يرتجف الجبل ويلهو الهباء

** مصطفى الابيض هذا التساؤل هو زلزال وجداني يضع المرآة...

مراكش: يوم دراسي يؤسس لبيئة خالية من الحواجز للأطفال في وضعية إعاقة

** مصطفى الابيض ​تتجه الأنظار صوب مدينة مراكش، وتحديدا نحو...

“بلاصتي”.. مانيفستو الخيبة وجودية تبحث عن الملاذ المؤجل فوق ركح يجهض الأحلام

**مصطفى الابيض تتحول خشبة المسرح في العرض الجديد “بلاصتي” إلى...

أسبانيا.. احتراق سيارات لمهاجرين مغاربة بإسبانيا إثر حرائق مهولة جنوب الأندلس

**رحال_رحاني تسببت الحرائق التي اندلعت بإقليم ألميريا، بجهة الأندلس جنوب...

مرآة عمر: عندما يرتجف الجبل ويلهو الهباء

** مصطفى الابيض
هذا التساؤل هو زلزال وجداني يضع المرآة الصادقة أمام أرواحنا التي أرهقها الزيف، وجرفتها تفاهة العصر الرقمي وضوضاء المظاهر، في لحظة فارقة من تاريخ الإنسانية، سطرت ملحمة تذوب دونها النفوس؛ رجل ينساب دمه في محراب الصلاة، جمعت له مجامع المجد الإنساني والروحي: الفاروق الذي وافق الوحي ربه في غير ما موضع، ثاني الخلفاء الراشدين، صهر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفاتح الأمصار الذي تهاوت تحت قدميه عروش كسرى وقيصر، ومع ذلك، وهو يجود بأنفاسه الأخيرة، لا يرى نفسه إلا عبدا فقيرا منكسرا، يصرخ في ابنه عبد الله: “ويل أمي إن لم يرحمني ربي”، ثم يرجوه: “ضع خدي على الأرض عسى الله أن يرحمني”.
هذا الانكسار المهيب من قامة كعمر هو قمة الوعي بجلال الربوبية والتباس العبودية، عمر لم يكن ينظر إلى إنجازاته وعظمته، لكن كان يشاهد عظمة الخالق وتقصير المخلوق، كان يدرك أن الجنة فضل، وأن الحساب عدل، فارتعدت فرائصه وهو المبشر بالخلود في رياض الجنان.
وحين ننقل البصر من ذاك الأفق الشاهق إلى واقعنا المعاصر، نصطدم بحجم الاستسهال الأخلاقي والغرور الروحي الذي نعيشه، نحن جيل ينام على التفريط، ويستيقظ على الأمل الكاذب، نملك أرصدة خاوية من العمل، ونطالب بأعلى درجات الفردوس بأنانية مفرطة
لقد أصيب إنسان العصر الحديث بآفة التضخم الذاتي بفعل ثقافة الاستهلاك والافتراض. ففي عالم شبكات التواصل الاجتماعي، تحولنا إلى كائنات تبحث عن التزكية السريعة والإعجابات اللحظية، حتى صرنا نرى أنفسنا بلا أخطاء، نكذب ونغتاب، نأكل الحرام ونظلم الأقربين، ونخون الأمانات، ثم نلتفت إلى الخلف بكل برود قائلين: “إن الله غفور رحيم”، متناسين أن عمر الذي كان يبكي حتى خط الدمع في وجهه خطين أسودين، هو نفسه الذي قال: “لو نادى مناد من السماء: كل الناس في الجنة إلا واحدا، لخشيت أن أكون أنا”.
إن المقارنة بين حالنا وحالهم تكشف عورة أخلاقنا التي هبطت إلى الحضيض؛ فهم كانوا يعملون أعمال الجبال ويخافون ألا تقبل، ونحن نعمل أعمال الذر ونيأس من ألا نكافأ عليها بملك الملوك، هم شيدوا حضارة الأخلاق بالصدق مع الذات والخشية التامة، ونحن شيدنا حضارة من ورق بالادعاء، والرياء، وتبرير الخطايا.
ماذا سنقول لله غدا؟ وبأي وجه سنقف أمام من بكت من خشيته السماوات؟ إن العودة إلى جادة الصواب تبدأ من هذه المرآة بالذات: أن ننزع عن أنفسنا رداء الغرور، وأن نتأمل خد عمر الملتصق بالتراب طلبا للرحمة، لنعلم أن كرامة العبد لا تكمن في استعلائه على الخلق، لكن في تمام انكساره وخضوعه للخالق سبحانه وتعالى

spot_imgspot_img