لم يكن مشهد الكراسي الشاغرة في قلب طرابلس مجرد غياب بروتوكولي أو “زعل” دبلوماسي عابر على حد قول المصريين، هو زلزال سياسي ألقى بظلاله الثقيلة على تجمع دول الساحل والصحراء، ليؤكد أن الرباط لا تبيع المواقف في سوق المسامات أو مارشي النخاسة ، ولا تمنح صكوك الغفران لمن يتلاعبون بقدسية الخرائط، فمحاولة تمرير خريطة مغربية “مبتورة” في محفل إقليمي بهذا الحجم، ليست سوى مراهقة سياسية فاشلة اصطدمت بصخرة “أدب الخرائط” المغربي، وهو الأدب الذي يكتب بمداد صرامة المنطق التاريخي والجغرافي الذي لا يقبل القسمة على اثنين
لقد ظن الواهمون أن غياب “العمود الفقري” للمنطقة سيمر دون أن ينهار سقف بيتهم الواهن فوق رؤوس الحاضرين، لكن الصمت المغربي كان صاخبا بما يكفي ليعلن للعالم أن خارطة المملكة هي جسد واحد، وأي محاولة لبتر ذراعها الصحراوية تعني ببساطة بتر الشرعية عن المحفل نفسه، وتحويل الاجتماع إلى مجرد “مونولوج” باهت يفتقر إلى الوزن والقيمة، ولهذا لقن المغرب الجميع درسا بليغا في أن السيادة كيان صلب يتحطم عليه كل من تسول له نفسه ممارسة هواية “القص واللصق” في حدود الأوطان
إن غياب الإمبراطورية المغربية عن كراسي طرابلس هو في جوهره “حضور طاغ” للكرامة الوطنية، واستعارة كبرى تؤكد أن تجمع الساحل والصحراء بدونها هو جسد بلا بوصلة، وصحراء بلا واحات؛ فالرباط التي تمد يد التنمية والأمن للمنطقة، هي نفسها التي تمتلك “مشرط الجراح” القادر على استئصال أي محفل لا يحترم حدودها الموروثة خلفا عن سلف
إن هذا “الردع السيادي” يثبت أن الخريطة المغربية هي عقيدة تحرس لحدود النار والحديد، وأن زمن “مرور الكرام” على التحرشات الجغرافية قد ولى إلى غير رجعة، فالمغرب لا يحضر حيث تهان ثوابته، والفراغ الذي تركه في ليبيا ظل شاخصا كشاهد ملك على أن الكبار لا يجلسون في الغرف التي تجمع” براهيش القوم” وتعبث بخطوط دمائهم، وأن أي بناء إقليمي يشيد على جرف “الخرائط المبتورة” هو بناء محكوم بالسقوط تحت أقدام الحقيقة المغربية الراسخة
وسيظل المغرب كما كان دائما وابدا رغم أنف الجميع دون استثناء، كره من كره واحب من أحب، والتاريخ بيننا وبينكم،كبيرا عليكم وعصيا وعصا على كل من تسول له نفسه المساس بأمنه وسلامته وارضه
… وسيعرف الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون…