عندما كتب جمال الغيطاني روايته «الزيني بركات» لم يكن يستعيد صفحة من التاريخ المملوكي بقدر ما كان يفتح نافذة على مستقبل بدا يومها بعيدا، لكنه أصبح اليوم جزءا من حياتنا اليومية،فقد ظن كثير من القراء أن البصاصين الذين ملأوا أزقة القاهرة القديمة وأسواقها قد اختفوا إلى الأبد، وأن زمن المخبرين الذين يقتاتون على الوشايات انتهى بانتهاء تلك الحقبة، غير أن الواقع يثبت أن البصّاص لم يمت، وإنما تعلّم أن يعيش في كل عصر بالوسائل التي يفرضها ذلك العصر
في رواية الغيطاني، كان الخوف يسكن الناس لأن الكلمة قد تتحول إلى تهمة، والهمسة قد تصل إلى صاحب السلطة، والحديث العابر قد يغيّر مصير صاحبه، كان يخشى أيضا من يسمعه ومن ينقل كلامه، ومن يؤوله بما يخدم مصالحه،كانت السلطة تعتمد على شبكة من العيون والآذان التي تتسلل إلى الأسواق والمقاهي والمساجد والبيوت، حتى بدا وكأن الإنسان يعيش مراقبا حتى في أكثر لحظاته خصوصية
لكن ما أشبه الأمس باليوم، صحيح أن البصاص لم يعد يحمل دفترا صغيرا يدون فيه الأخبار، ولم يعد يتوارى خلف باب أو يجلس في زاوية مقهى يصغي إلى أحاديث الناس، إلا أن وظيفته لم تتغير، لقد انتقل ببساطة إلى عالم آخر؛ عالم الشاشات والبيانات والخوارزميات، فالهاتف الذي نحمله في جيوبنا، ومنصات التواصل التي نقضي فيها ساعات طويلة، ومحركات البحث التي نلجأ إليها كل يوم، أصبحت تعرف عنا أشياء ربما لا يعرفها أقرب الناس إلينا
والمفارقة أن المراقبة الحديثة تختلف عن كل ما عرفه التاريخ في أمر بالغ الخطورة؛ فهي لا تفرض علينا دائما بالقوة، لكن كثيرا ما نمارسها على أنفسنا طوعا، نحن الذين ننشر صورنا ونعلن أماكن وجودنا، ونكشف آراءنا وعلاقاتنا واهتماماتنا، ثم نستغرب بعد ذلك أن تصبح حياتنا مادة للتحليل والتصنيف والاستهداف، لقد أصبح الإنسان المعاصر يكتب بنفسه التقرير الذي كان البصاص او المخبر او المقدم او الشيخ و…في الماضي يبذل جهدا كبيرا لإعداده
غير أن ما يثير القلق أكثر من تطور التكنولوجيا هو ذلك التحول الذي أصاب المجتمع نفسه،فقد أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي نوعا جديدا من البصاصين؛ أشخاصا لا تدفعهم سلطة، ولا يتقاضون أجرا، لكنهم يراقبون الآخرين بشغف، يبحثون عن زلاتهمو يقتطعون كلماتهم من سياقها، وينشرون صورهم وتعليقاتهم، وكأنهم يمارسون مهمة مقدسة، وهكذا لم يعد الخوف يأتي فقط من المؤسسات، وانما أصبح يأتي أيضا من المجتمع، ومن ذلك الميل المتزايد إلى التلصص على حياة الآخرين، وتحويل الخصوصية إلى فرجة عامة.
ولعل هذا ما يجعل «الزيني بركات» رواية عصية على الشيخوخة، فالغيطاني لم يكن يتحدث عن أشخاص بقدر ما كان يتحدث عن عقلية، كان يدرك أن البصاص ليس مهنة، وإنما ثقافة تقوم على الشك، وعلى الرغبة في معرفة ما لا يعنينا وعلى تحويل المعلومة إلى وسيلة للنفوذ أو العقاب أو التشهير، وحين تصبح هذه الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، تتحول الثقة بين الناس إلى استثناء، ويصبح كل فرد مشروع مخبر في نظر الآخر
لقد تغيرت أدوات السيطرة، لكن منطقها بقي كما هو، بالأمس كان “العساسة” يطوفون في الأزقة، واليوم تطوف الخوارزميات في هواتفنا، بالأمس كان البصاص يراقب حيا أو سوقا، واليوم تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين البيانات في ثوان معدودة، ورسم صورة دقيقة عن ميول الإنسان وسلوكه وعلاقاته واختياراته، ولهذا لم يعد السؤال المطروح هو: من يراقبنا؟ بل أصبح: ماذا بقي من حياتنا خارج دائرة المراقبة؟
إن القيمة الكبرى لرواية «الزيني بركات» لا تكمن في أنها وثيقة عن الماضي، وإنما في أنها تنبهنا إلى حقيقة تتكرر عبر العصور، وهي أن الاستبداد لا يتعلق بالأدوات بقدر ما يتعلق بالرغبة الدائمة في السيطرة على الإنسان، قد يتغير شكل البصاص من رجل يختبئ في زقاق ضيق إلى خوارزمية تعمل داخل مركز بيانات عملاق، لكن الخطر يظل واحدا، والسؤال يظل واحدا أيضا: كيف نحافظ على حريتنا وكرامتنا في زمن أصبحت فيه المراقبة أكثر ذكاءً، وأكثر هدوءا، وأكثر قدرة على التسلل إلى تفاصيل حياتنا دون أن نشعر؟
ربما لهذا السبب تبدو «الزيني بركات» اليوم أقرب إلى مرآة تعكس حاضرنا منها إلى رواية تستحضر الماضي، فكلما تقدم العالم في أدواته، ازداد احتياج الإنسان إلى الدفاع عن حقه في الخصوصية، وإلى التمسك بحريته، لأن أخطر أشكال المراقبة ليست تلك التي نراها، لكن تلك التي نعتاد عليها حتى نتوقف عن الشعور بوجودها