spot_img

ذات صلة

جمع

تمزيق الدفاتر والكتب بعد الامتحانات أهي فرحة عابرة أم أزمة تربوية صامتة؟

د.السعيد أخي مع إسدال الستار على الموسم الدراسي وانتهاء الامتحانات،...

تنمية بشرية ببعد تعليمي.. كيف تحارب عمالة الحوز الهدر المدرس في المنحدرات الجبلية ؟

 الحوز// هيئة التحرير  تضع عمالة إقليم الحوز فك العزلة عن...

زلزال التكتيك المغربي يفرمل الماكينات البرازيلية في قمة عالمية مثيرة

** هيئة التحرير: نجح المنتخب الوطني المغربي في فرض تعادل...

المايسترو أيوب بوعدي يوقع “شهادة ميلاد عالمية” ويهز عرش السيليساو!

** مصطفى الابيض حينما تصطدم النخوة الكروية المغربية بجدار “السامبا”...

تمزيق الدفاتر والكتب بعد الامتحانات أهي فرحة عابرة أم أزمة تربوية صامتة؟

د.السعيد أخي

مع إسدال الستار على الموسم الدراسي وانتهاء الامتحانات، تتكرر أمام المؤسسات التعليمية وفي محيطها مشاهد أصبحت مألوفة في عدد من المدن المغربية أكوام من الدفاتر الممزقة والكتب المدرسية المبعثرة تملأ الساحات والطرقات، وكأن التلاميذ يحتفلون ببداية العطلة الصيفية بطريقة تدعو الى التأمل.

وبين من يرى في هذه الممارسات مجرد تعبير عفوي عن الفرح والتحرر من ضغوط الدراسة، ومن يعتبرها سلوكاً غير حضاري يعكس خللاً في المنظومة التربوية، وعليه يظل السؤال قائماً لماذا يمزق بعض التلاميذ كتبهم ودفاترهم فور انتهاء الامتحانات؟
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة هو ارتباطها بنظرة نفعية إلى المؤسسة التعليمية والى المعرفة عموما، فبالنسبة إلى عدد من التلاميذ، يتحول الكتاب المدرسي إلى مجرد أداة مؤقتة لا قيمة لها بعد اجتياز الامتحان. وما إن تنتهي الاختبارات حتى يصبح التخلص من الكتب والدفاتر رمزاً للتحرر من فترة شاقة ومليئة بالضغوط النفسية. وهكذا يفقد الكتاب مكانته باعتباره وسيلة للمعرفة والثقافة، ويصبح مجرد وسيلة للحصول شهادة.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التحولات التي يعرفها المجتمع. فثقافة الاستهلاك السريع التي أصبحت تطبع مختلف مناحي الحياة انعكست بدورها على علاقة الناشئة بالكتاب. ففي زمن الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد للكتاب الورقي ذلك البريق الذي كان يتمتع به لدى الأجيال السابقة. وأصبح كثير من التلاميذ يتعاملون مع أدوات الدراسة بمنطق الاستعمال المؤقت لا بمنطق المحافظة والاستفادة المستمرة.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق التلميذ وحده. فالأسرة والمدرسة يتحملان جزءاً من المسؤولية في ترسيخ قيم احترام الكتاب والعناية به، في حين يغيب الحديث عن قيمة المعرفة وعن الجهد الذي يبذل لإنتاج الكتاب المدرسي وتوفيره، يصبح من السهل على المتعلم أن ينظر إليه باعتباره شيئاً عادياً يمكن تمزيقه أو رميه دون شعور بالذنب.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما ننظر الى هذه الظاهرة من الجانب الاقتصادي فالكتب والدفاتر التي يتم إتلافها كل سنة تكلف الأسر والدولة مبالغ مالية مهمة. وفي الوقت الذي تعاني فيه بعض الأسر من صعوبات في توفير المستلزمات الدراسية لأبنائها، نجد كتبا ما تزال صالحة للاستعمال تمزق ويُرمى بها في القمامة بدل أن تُمنح لتلميذ آخر أو تُستغل في مكتبات مدرسية ينتفع بها الجميع.
و نسجل من على المستوى البيئي ان هذه الممارسات اللاتربوية تسهم بشكل سلبي في تلويث الفضاءات العامة وإنتاج المزيد من النفايات الورقية، الشيء الذي يعكس ضعفا في الوعي البيئي لدى بعض التلاميذ، أما المدرسة التي تسعى إلى تربية مواطن مسؤول لا يمكن أن تتجاهل هذه الممارسات أو تعتبرها مجرد تصرفات عابرة، بل عليها ان تفكر بجد في طريقة تعالج من خلالها هذا الخلل وفي نظري معالجة الظاهرة لا تكون بالعقاب او الزجر او ما شابه ذلك ، بل وجب أن نعزز التربية على القيم ، وذلك باقناع المتعلم بأن الكتاب هو رفيق للمعرفة وللعلم وليس مجرد أداة لربح النقط والنجاح في الامتحانات ، وأن المحافظة عليه برهان على احترام العلم والعلماء .
وعلى صعيد المؤسسات التعليمية لابد من تنظم حملات لجمع الكتب والدفاتر المستعملة للاستفادة من النماذج الراقية على مسنو الدفاتر، والتبرع بالكتب لفائدة تلاميذ محتاجين، مما يحول نهاية كل موسم دراسي إلى فرصة لترسيخ قيم التضامن والمسؤولية.
إن مشهد تمزيق الدفاتر والكتب بعد الامتحانات لا يبدو بسيطاً وعابراً، إنه في الحقيقة مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين المتعلم والمعرفة، فإذا كنا نطمح إلى مدرسة تنتج مواطنين يؤمنون بقيمة العلم، فإن أول خطوة هي إعادة الاعتبار للمعرفة وللكتاب باعتباره رمزاً للتعلم والبناء، لا مجرد أوراق تنتهي صلاحيتها بحلول العطلة و انتهاء الامتحانات . فالعطلة الصيفية تنتهي بعد أسابيع، أما قيمة المعرفة فتبقى رصيداً يرافق الإنسان طوال حياته.

spot_imgspot_img