مراكش، المدينة العريقة، حاضرة التاريخ وملتقى الحضارات، لم تكن يوماً مجرد أسوار وساحات ومعالم عمرانية، بل كانت ولا تزال ذاكرة نابضة بالفن والتراث الشعبي، وفضاءً تتعايش فيه مختلف أشكال التعبير الثقافي المغربي. وفي هذا السياق، أطلق جلالة الملك محمد السادس برنامج «مراكش.. الحاضرة المتجددة»، وهو ورش طموح حمل تصورات لتأهيل المدينة وتعزيز إشعاعها، من بينها مشاريع ذات أبعاد ثقافية وفنية، كان من المفترض أن تمتد إلى منطقة المحاميد، فضلاً عن ارتباطها برؤية متكاملة لصيانة مكانة ساحة جامع الفنا باعتبارها رمزاً للفرجة الشعبية والتراث اللامادي. لكن، وانطلاقاً من التصريح الذي أدلى به الدكتور أنس الملحوني، تطرح نفسها اليوم أسئلة مشروعة حول مصير بعض مكونات هذا الورش، وحول المشاريع التي اختفت من المشهد وكأنها لم تكن، دون أن يعرف الرأي العام بوضوح أين وصلت، ولماذا توقفت أو تغيرت معالمها. والسؤال لا يتوقف عند حدود البنيات والمشاريع العمرانية، بل يمتد إلى صميم الذاكرة الثقافية للمدينة، وخاصة مهرجان الفنون الشعبية، ذلك الموعد التراثي الذي ارتبط بذاكرة مراكش والحوز، وبمختلف أشكال الفلكلور المغربي، والذي تعود جذوره إلى سنة 1924، حسب المعطيات المتداولة حول تاريخه. فبعد أن غاب المهرجان لفترة من الزمن، أعادت وزارة الثقافة إحياءه، وهو أمر يستحق التقدير من حيث المبدأ، خاصة عندما يتعلق الأمر بإعادة الاعتبار لتظاهرة تراثية عريقة. غير أن إعادة البرمجة، مع الانفتاح الواسع على الفنون الشعبية الإفريقية، طرحت تساؤلات حول مدى احتفاظ المهرجان بهويته المغربية الأصلي، فهل أدى هذا الانفتاح الثقافي، الذي شمل عروضاً وأهازيج وفلكلورات من مختلف الدول الإفريقية، إلى إغناء المهرجان وتوسيع إشعاعه، أم أنه ساهم، من حيث لا ندري، في تراجع حضوره المغربي الأصيل، وإضعاف الذاكرة التاريخية التي جعلت منه جزءاً من هوية مراكش الثقافية؟ إن السؤال هنا لا يتعلق برفض الفنون الإفريقية، ولا بالتقليل من قيمة التبادل الثقافي بين المغرب وعمقه الإفريقي، وإنما يطرح سؤالا اساسيا مفاده كيف ننفتح على الآخر دون أن نفقد ذاكرتنا نحن؟ ويتعلق الامر هنا بضرورة الحفاظ على جوهر مهرجان مغربي عريق، ارتبط بتراث مراكش والحوز وبالتنوع الفلكلوري لمختلف جهات المملكة. فهل نحن أمام تجديد حقيقي للذاكرة الثقافية، أم أمام إعادة صياغة لها تستحق نقاشاً مسؤولاً من طرف المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن التراثي؟ وهو ما سيتضح لنا من محاورة الدكتور انس الملحوني المختص في علوم الثرات الثقافي اللامادي.