**امينة ابوالغنائم تدخل اللعبة الانتخابية بالمغرب مرحلة حاسمة تتضح فيها ملامح الخريطة السياسية الوطنية، وسط تجاذبات معقدة بين المعطيات الميدانية والتحولات الاجتماعية الملموسة. وتتجاذب هذا الاستحقاقات بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ يتلخص الأول في سيناريو الاستمرار والتثبيت عبر ترجيح كفة أحزاب الأغلبية الحالية، مستفيدة من امتدادها التنظيمي وإمكانياتها اللوجستية لإعادة إنتاج التحالف القائم بنسخة معدلة. وفي المقابل، يبرز سيناريو إعادة التوازن الذي تراهن فيه أطياف المعارضة على استغلال الضغوط الاجتماعية والاقتصادية لخلخلة المعادلة السياسية، بينما يظل سيناريو المفاجآت المحلية حاضراً بقوة من خلال صعود مرشحين ذوي ثقل قبلي أو اقتصادي خارج الأطر الحزبية التقليدية. وعلى مستوى المناخ العام، يبدو تفاعل الشارع المغربي مع الدعاية الانتخابية متبايناً ومحكوماً بعقلانية حذرة؛ إذ تراجع الاهتمام الجماهيري بالمهرجانات الخطابية التقليدية لصالح نقاش رقمي نقد عبر الفضاء المفتوح. لقد انتقل وعي الناخب من التأثر بالشعارات العامة إلى المطالبة بالحساب والأرقام، مركزاً على قضايا غلاء المعيشة وفرص الشغل والتغطية الصحية… غير أن هذا الوعي النامي يوازيه انخراط ميداني محدود يقتصر في الغالب على القواعد الحزبية والمستفيدين المباشرين، مقابل تفضيل فئات واسعة-لا سيما الشباب—للتعبير عن موقفها عبر المراقبة والنقد الرقمي دون الانغماس الفعلي في الماكينات الدعائية. وفي معمعة هذا الزخم، يطرح أداء الإعلام المحلي الخاص علامات استفهام جادة حول الموضوعية والحياد؛ حيث سقطت العديد من المنصات في فخ السطحية والتهافت على الإثارة و”البوز” بهدف الكسب المالي السريع، مما أدى إلى ضبابية الحدود بين الخبر الصحفي المستقل والإشهار السياسي المبطن، وإضعاف دور الإعلام كأداة للتثقيف والتوجيه. ويرتبط هذا التعثر الإعلامي بعزوف الأحزاب والمرشحين عن إبرام عقود عمل رسمية ومهنية مع المقاولات الإعلامية للتغطية الشاملة. ويعود هذا الامتناع إلى قيود صرامة المساطير القانونية والمالية المنظمة لمصاريف الحملات أمام المجلس الأعلى للحسابات، إلى جانب الهرب الجماعي نحو منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك وتيك توك) لكونها أقل تكلفة وأسرع وصولاً وتفادياً للحسابات المالية المعقدة، فضلاً عن غياب ثقافة الاتصال المؤسساتي المستدام لدى الفاعلين السياسيين الذين يتعاملون مع الإعلام بمنطق المناسبات واللحظية. إن المحطة الانتخابية المرتقبة لا تشكل مجرد تنافس على الحصص والمقاعد، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى نضج الممارسة السياسية والإعلامية بالمغرب، ومدى قدرة الفاعلين على تقديم خطاب ينفذ إلى عمق تطلعات الشارع نحو الشفافية والكرامة الشعبية، وكذا الكرامة الاقتصادية. “حقائق وآراء” -AUDIOCAM