** حميد بركي
تُعد الكاتبة والروائية التونسية فاطمة محمود سعدالله، المعروفة أدبيًا باسمها الإبداعي، من الأصوات السردية والشعرية البارزة في المشهد الأدبي التونسي المعاصر، إذ انحنت على اللغة كما ينحني الفلاح على أرضه الخصبة، لتستخرج من تربة الحرف ثمار المعنى، وتحوّل التجربة الإنسانية إلى نصّ نابض بالحياة
هي ابنة ڤبلي في الجنوب التونسي، حيث تمتدّ الواحات كأحلامٍ خضراء وسط الصحراء، وحيث تتعلّم الروح معنى الصبر من النخيل، ومعنى الاتساع من الأفق – هناك بدأت ملامحها الأولى، ثم انتقلت إلى ڤابس لمواصلة تعليمها الثانوي، فكان البحر هناك نافذتها الثانية على العالم، وكان للمطالعة أثرُ الموج في داخلها، يعلّمها التدفّق والعمق في آنٍ معًا، وفي تلك المرحلة تفتّحت بذور القصة، وراودها الشعر كهمسٍ أول لا يُقاوم.
واصلت مسارها الجامعي في الجامعة التونسية، حيث تحصّلت على شهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية، مدعّمة بتكوين في اللغة الفرنسية المعاصرة ولغة الصحافة، فازدادت أدواتها اتساعًا، وكأنّها تُهيّئ لغتها لعبور الحدود بين الثقافات والأنماط التعبيرية.
اشتغلت بالتدريس في المعاهد التونسية، كما خاضت تجربة التدريس خارج الوطن في الكويت، غير أنّ الكتابة بقيت مشروعها الأعمق، الذي لم يدخل النشر إلا سنة 2006، حين صدرت مجموعتها القصصية الأولى “الزواج الأبيض”، كنافذة أولى فُتحت على عوالمها السردية. تلتها مجموعة “الصعود إلى الأعماق” سنة 2008، حيث تعمّق الحسّ التأملي في كتابتها، وبدأت ملامح صوتها تتبلور أكثر.
ثم عادت إلى الشعر بعد سنوات من التريّث، كأنّها تستعيد لغة القلب، فصدر ديوانها الأول “أمواج وشظايا” سنة 2015، ثم “حبر الياسمين” سنة 2017، فكانت نصوصها الشعرية امتدادًا لروحٍ تتأرجح بين الحنين والبوح، بين الوجع والضوء. وتواصل مشروعها الإبداعي بين السرد والشعر، فصدر لها “سرديات وذات” سنة 2018، و*“هويتي واحة نخيل”* في السنة نفسها، حيث تحوّلت الذات إلى فضاء كتابي مفتوح على التأويل.
انخرطت في الحياة الثقافية والاجتماعية، فترأست جمعية ثقافية تُعنى بالحرف والإبداع، وكانت عضوة في اتحاد الكتاب التونسيين منذ سنة 2009، كما شاركت في جمعيات ومبادرات ثقافية عدّة، وأسهمت في الفعل الثقافي بوصفه امتدادًا للكتابة لا منفصلًا عنها.
نالَت خلال مسيرتها عددًا من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، من بينها السنبلة الذهبية من فلسطين، والسعفة الذهبية من العراق، وتكريمات مصرية وتونسية، لتتوزّع بصمتها الإبداعية بين فضاءات عربية مختلفة، مؤكّدة حضورها في المشهد الثقافي.
شاركت في دواوين شعرية جماعية في العراق وبلغاريا وصربيا وغيرها، فكان حضورها عابرًا للحدود، ينسج خيوطًا من التفاعل بين الثقافات، ويمنح صوتها امتدادًا إنسانيًا أوسع،
وفي الرواية، برزت أعمالها مثل “من ذاكرة الفرح” و*“حورية والوحش”*، حيث تشتبك الحكاية مع الواقع، وتتحوّل التجربة إلى مساءلة للذات والعالم، كما صدرت لها مجموعات قصصية وسرد تعبيري وقراءات نقدية، إلى جانب أعمال مترجمة ودراسات وتقديمات نقدية لأعمال شعرية وسردية لكتّاب من تونس والعالم العربي.
ولا تزال في جعبتها مخطوطات تنتظر النشر بين الشعر والرواية والقصة، كأنّ الكتابة عندها نهرٌ لا يتوقّف، يمضي حيث يشاء، ويترك في كل محطة أثرًا من ضوء.
إنّها كاتبة تجعل من اللغة بيتًا ومن الحلم طريقًا، وتكتب كمن يحاول أن يمنح العالم احتمالًا آخر للمعنى، حيث تتحوّل الكلمة إلى حياة، والحياة إلى نصّ لا ينتهي





