اليوسفية// ادريس محراش
في تجل إيماني رفيع، شهدت مدينة اليوسفية دفقات من الأنوار القرآنية التي فاضت بها رحاب ملتقاها الثاني
عشر، في محفل لم يكن مجرد تظاهرة ثقافية، بل هو مقام للسكينة انصهرت فيه جهود التربية بإبداعات الترتيل، معلنة عن ميلاد حالة وجدانية أثبتت أن جذور الهوية المغربية لا تزال تتغذى من معين كتاب السعيدات بجماعة اجنان بويه
لقد كانت مشاركة الأستاذ يوسف لحمامي، هذا المرابط على ثغور التلقين، بمثابة إحياء لعهد الربانية في الأمة؛ فهو في أدائه لا يلقن الحروف فحسب، بل يغرس في صدور الناشئة أسرار التلقي الإلهي، متخذا من الكتاب مشكاة يقتبس منها نور الهدى، ليكون حضوره في الملتقى تجسيداً عملياً لمعنى المربي الذي يتعهد نبتة الوحي بالرعاية والاصطفاء. وفي حوار روحي بديع، جاء صوت القارئ العيون الكوشي ليكمل اللوحة، ممارساً طقوس الارتقاء بالوجدان؛ إذ لم تكن تلاواته مجرد إيقاعات صوتية، بل كانت معارج للروح، يسكب فيها من خشوع الترتيل ما يلامس شغاف القلوب ويذكر بالأصل الذي فطرت عليه النفوس، لتنتظم بذلك حلقة ذهبية جمعت بين تربية اللسان على الحرف وتزكية القلب بالمعنى
إن هذا الحدث في جوهره هو صرخة إيمانية في وجه الارتداد المادي، تثبت أن اليوسفية، التي قد يراها الواهمون مدينة للمعادن الصماء، هي في حقيقتها منجم للأرواح النيرة التي لا تفتأ تحيي في الأمة جذوة ارتباطها بكتاب ربها، مؤكدة أن جنان بويه وما قدمته من عطاء تربوي وصوتي، هي الامتداد الأصيل لمشروع قرآني لا يشيخ، يحول فضاءات الإقليم إلى محراب يلهج بالذكر، ويعيد رسم بوصلة الهوية المغربية في زمن تلاطمت فيه أمواج الحيرة، ليظل القرآن هو المرجع الذي لا تضل فيه الأفهام، والمنارة التي تشرق بها القلوب وتطمئن بها الأرواح





